ما نريده لحميد شباط ولحامي الدين

ما نريده لحميد شباط ولحامي الدين

لم نكن سوى طلبة وشباب في مقتبل العمر، نحلم بالورد والخبز والزيت، وبالمدرسة والصحة والشغل، والحرية والديمقراطية وبالمساواة… لم نكن نشكل أي خطر على النظام وعلى المجتمع، وكل ما كنا نفعله لم يكن سوى شعارات نرفعها داخل أسوار الجامعات، وفي الجموعات العامة لجمعياتنا الثقافية والفنية، على غرار شباب الحركات الطلابية والشبابية العالمية التواقة إلى التغيير.

وتشير العديد من الأرقام والإحصائيات إلى أن الحركة الطلابية المغربية، حطمت الرقم القياسي في سنوات الاعتقال، بل ربما احتلت المرتبة الأولى في سنوات السجن المحصل عليها عالميا ما بين أواخر ستينيات وتسعينيات القرن الماضي. ولولا دفاع الجمعيات الحقوقية في الداخل والخارج، وصمود المعتقلين وعائلاتهم، ومساهمة هيأة الإنصاف والمصالحة، لتم اعتبار الحركة الطلابية ومعتقليها، حركة إرهابية، عدمية، سيخية، داعشية… تستحق العقاب الأبدي.

وبينما نحن نقبع في سجون المملكة، كان شباط وأمثاله من الزعماء السياسيين يشيّدون مجد ثرواتهم وريعهم عبر ربوع الوطن، مكافأة سياسية على ما قدموه من ضبط وانضباط لدوائر المخزن وأعوانه. ولعل الأحكام القاسية التي كانت تتلقاها حركة المعتقلين من طرف هؤلاء، كانت في بعض الأحيان أشد عقابا من الاتهامات الصادرة عن المحاكم المغربية.

واليوم، كل المغاربة على علم ودراية بالثروة التي كدسها شباط وأمثاله، وما اقترفه في حق العاصمة العلمية من أذى، منذ توليه عرش تسييرها، ولا أحد حرك ساكنا ليقول له: من أين أتيت بكل هذا!؟ بل حتى الطبقة السياسية المغربية التي طالما صدعت آذاننا، وشققت رؤوسنا، خلدت هي الأخرى إلى صمت مذهل غير مفهوم.. يا سبحان الله!

في فرنسا، بمجرد ما كتبت صحيفة “لوكانارأونشيني” عن تورط جزء من الطبقة السياسية الفرنسية في اختلالات وفضائح مالية، حتى تحركت الأجهزة القضائية بحثا عن الحقيقة وتنويرا للرأي العام. في حين، رغم كل ما كتب وقيل عن زعيم حزب الاستقلال، النائب البرلماني، والعمدة السابق لمدينة فاس، لم تحرك أجهزة النيابة العامة ساكنا. وهذا يذكرني بالجراح التي مازالت لم تندمل، والتي كان السبب فيها القاضي عبد النور ومن معه، يوم نطق بأحكامه القاسية والخيالية في حق براءتنا، واصفا نضالنا وحبنا للوطن والسلم والعدالة والحرية بالجريمة السياسية الكبرى! يا للمفارقة…

العالم يشهد اليوم على خراب فاس العالمة والعالمية، بسبب سوء التدبير والتسيير، وتصاعد الجريمة والفساد الاجتماعي الذي لحقها، وانتشار كتل من “البلطجية” في جميع المواقع والإدارات. وكل هذا تم أمام أنظار قضاة مجلس الحسابات الذين ننتظر تحركهم، وتحت الرعاية الحكومية لحكومة السيد ابنكيران القابع في بيته ينتظر الفرج من السماء!

كما يتذكر النشطاء بكل تلاوينهم ما قاله السيد شباط في حق حركة “20 فبراير” حين  اتهمها بالصهيونية، وبـ”تجمع الخونة”، وبالولاء إلى الخارج. هذا هو شباط الذي يتمتع بالإفلات من العقاب أمام صمت الحقوقيات والحقوقيين، والسياسيات والسياسيين بمختلف مرجعياتهم.

وفي السياق نفسه، يظل أحد المتهمين بالعنف المؤدي إلى الموت، يصول ويجول بتصريحات تحرض على العنف والكراهية كلما أتيحت له الفرصة، باسم أحد المنتديات المحسوبة على النكوصية والأصولية المتطرفة، في الوقت الذي تنتظر عائلة الشهيد أيت الجيد الإفراج عن الحقيقة، ومحاكمة الجناة.

تبا للخذلان، وتبا للزمن السياسي والنضالي الذي خذلنا. لم نكن نتصور في يوم من الأيام أن تضحياتنا ستذهب إلى الجحيم، كما تذهب أقراط الدنجال إلى المقلاة. فالكل يعرف اليوم من هو حميد شباط ومن هو حامي الدين واللائحة طويلة، والمخزن كما هو معلوم، “لا يحكر” إلا على الطلبة والمعطلين وحاملي الشهادات والمعطلين، وأصحاب محضر 20 يوليوز، والأساتذة المتدربين، ولا يحرك مسطرته إلا ضد نشطاء الحركات الاجتماعية في الريف والأطلس وجبالة…

لقد عانت الحركة القاعدية داخل الجامعة وخارجها من القمع المزدوج، حتى أفرغت من محتواها، لتنتصر ضدها حركات متطرفة، يساندها المستشار البرلماني والأستاذ الجامعي حامي الدين وأمثاله من السياسيين، لقتل ما تبقى من الأمل، الذي ضحت من أجله أجيال المناضلين التقدميين والديمقراطيين لنكون أحسن مما نحن فيه.

لا نريد أن ننتقم لا من شباط ولا من حامي الدين، ولا نريد لهما العذاب الذي اكتوينا بناره، والذي مازال قدرا موشوما على جبيننا يذكّرنا به “اللي يسوا واللي مايسواش”، وحتى من كان يتفرج ويتهكم علينا في سنوات الجمر والرصاص، أو من كان سمسارا، أو مخبرا، أو خوافا متملقا، أو قمارا، أو لاعب الورق، ما نريده لشباط وحامي الدين، هو الحقيقة أولا، والمحاسبة ثانيا، وعدم الإفلات من العقاب ثالثا.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
المصطفى المريزق
-->