رشيد لزرق يكتب عن ديمقراطية الفساد

رشيد لزرق يكتب عن ديمقراطية الفساد

دولة القانون هي الدولة القادرة على تحقيق أمن واستقرار الجماعات والأفراد، وكذلك المساواة والعدل وعدم التمييز بين المواطنين.

وأكبر تهديد للأمن الداخلي هو الفساد الذي له علاقة جدلية بالاستبداد وقضية ثروة شباط توضح أن الفساد تحول إلى عمل “منظّم” ، فالرجل راكم ثروات طائلة من دون أي محاسبة، مما يولد الانطباع بكون الفساد بات طريقة وفعلا من أفعال القيادة الحزبية. ومادامت المناسبة شرط فإن تصريحات رئيس الحكومة في مجلس المستشارين حول العدالة الاجتماعية و اقتسام الثروة دليل على عدم قدرته على فك معادلة مواجهة الفساد، لأنه اختار البقاء في السلطة، و اتخاذ من محاربة الفساد قوتا إعلاميا للمزايدة، و كفزاعة سياسية لإخضاع قيادات شعبوية.

بنكيران كلما أحس بأنه وضع نفسه في الزاوية الضيقة يتجه إلى محاولة خلق حالة الخوف والهلع والحساسية عند القواعد الشعبية بحديثه عن اللا استقرار، في محاولة لجعل نفسه ضمانا للإصلاح، و هي مناورة لطالما استخدمها كلما شعر بحركية التغيير، يفهم معه سبب تماطله في تنزيل خطاب الإصلاح كترسانة قانونية و ترجمته في إجراءات عملية، والتي تبدأ بالكشف عن ترواث قادة الأحزاب السياسية الحالية.

فتعايش بنكيران مع الفساد يمكنه من المزايدة السياسية في إطار سياسة خلط الأمور على المواطن حتى لا يتمكن من التمييز بين من يريد مواجهة الفساد ومن يريد أن يستمر بالفساد ولكن برفع خطاب الشفافية. إن هذا الوضع يمنعنا من تحقيق التحول في اتجاه تحقيق مرحلة التنمية والتي تمر لزوما بمواجهة الفساد المولد للاستبداد عبر محاسبة الفاسدين، و تطهير المشهد السياسي من نخبة فاسدة، عبر العمل على مواجهة سياسة الإفلات من العقاب أو سياسة ” عفا الله عما سلف” ، في الوقت الذي ننتظر إقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب، إحالة كل من تثبت عليه شبه فساد للمحاكمة المحاكمة العادلة، بعيدا عن النهج السياسي الحالي و الذي ظهر جليا في تعاطي وزارة العدل مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات بمنطق التوصيات، حيث يعمل على حفظها في مقابل توجيه ملفات من يعارض الحكومة سياسيا.

ما بات يعرف بقضية “ثروة شباط” محك حقيقي لاعتباران إثنان:

الإعتبار لأول: كون بنكيران رئيس الحكومة أول من طالب شباط بكشف ثروته.

الاعتبار الثاني: نشر جريدة الأخبار بالوثائق، واعتراف شباط نفسه ، أن ثروته تقدر بالملايين، في لعبة المقصود منها تبرئة نفسه من ثروة اعترف بامتلاكها، ونهجه خطابا تحريضيا غايته خلط الأمور بين من يريد تبرير ثروته من شبهة الفساد و اتجه إلى اتهام الدولة بقتل السياسيين غرقا في “واد الشراط”، ببوزنيقة، عبد الله بها وزير دولة و احمد الزايدي نائب برلماني، في عملية يريد من خلالها الظهور بمظهر الراديكالية. والحال انه يريد الهروب إلى الأمام.

” قضية ثروة شباط” هي غيض من فيض، في كون بنكيران وحزبه اتخذا من الفساد قوتا إعلاميا للاستهلاك الإعلامي، يوضح البعد السياسيوي، و تعطيل الفصول القانونية التي تفترض تحريك الآليات القانونية، “لتبرير شباط لثروته” وشبهة الفساد، في المقابل لم تحرك لا كتائب العدالة والتنمية و لا صقورها و لا حركتهم الدعوية لسانها، و امتنع بنكيران رئيس الحكومة و الرميد وزير العدل، هو امتناع عن تفعيل القانون في إطار سلوك لا قانوني ولا أخلاقي، لأن الامتناع عن الفعل هو فعل، و هو في حد ذاته جريمة التغطية على جرائم فيها شبهة فساد و سرقة المال العام في وضح النهار.

صمت يعطي الانطباع بأن هناك توظيف للملف سياسيا، لجعل شباط كأداة سياسية لفعل المزايدة، مما يخدمة أجندة العدالة والتنمية للهيمنة، الأمر الذي يمكن أن يفسر انقلاب شباط في مواقفه السياسية اتجاه بنكيران الذي قال فيه ما لم يقل مالك في الخمر، و بات بين يوم وعشية يضفي على بنكيران بكونه الحاصل على الإرادة الشعبية و رمزا للديمقراطية، لم يتوانى في لعب دور المحافظ المحرض، و لم يكتفي بضرب خصوم السياسيين لبنكيران بل ضرباته السياسية مست الدولة و العلاقات الخارجية، بدءا من حادث موريتانيا و ترديد خطاب أعداء الوحدة الترابية باعتبار الدخول للاتحاد الأفريقي اعتراف بالجمهورية الوهمية.

كل هذه التصريحات لم تسعف وزير العدل لتحريك المسطرة المباشرة للتحقق مع شباط رغم ما فيها من مس بأمن الدولة الداخلي، بل انتظر إلى غاية توجيه الشكلية من وزارة الداخلية.

في وقت تفترض دولة المؤسسات أن يكون رئيس الحكومة بالمعنى الأول حريصا على سلامة الدولة الداخلي و الخارجي، و لا شبهة الفساد الذي لا يختلف اثنان في كونه أكبر مهدد لسلامة الدولة. و المسؤول الأول المعني بإسقاط الفساد، لا بحكم شعاره الانتخابي الذي تعاقد مع المواطنين على أساسه” صوتك وسيلتك لإسقاط الفساد و الاستبداد”، و لا بحكم التصريح الحكومي الذي على أساسه نال ثقة البرلمان ، ولا من وقعه الدستوري كرئيس في التركيبة الحكومية والمسؤول الأول على تنفذ السياسة العمومية فحسب، بل انطلاقًا من قسمه اثناء التعيين بين أيدي الملك ، هذا القسم الذي يُعدّ التزامًا وجوبيًا عليه لما يحمله من معاني ودلالات والتزامات، في خدمة التوابث و مصلحة الوطن. و لا تماشيا مع الشعار الذي اختاره الحزب لاستحقاقات 7 أكتوبر “صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح”.

الإصلاح لا يكون من خلال المخاتلة السياسية بل ان اي إصلاح سواء كان اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي لا يمكن له أن ينجح إلا بمحاسبة الفاسدين مهما علا شأنهم حتى لو كانوا من بيته السياسي، إعمالا للدولة القانون والتزاما وجوبيا لرئيس الحكومة، لطالما وعد به بدون تطبيق.

النهج البنكيراني يقوم على توظيف الفساد لكونه ضمان للاستمرار في السلطة، و هنا ليس بالعبث بإطلاق بنكيران شعار عفا الله عما سلف، بل ترجمة لحمايته المفسدين؛ فحزب بنكيران لا يملك مشروعا اقتصاديا و لا سياسيا. مما جعل حزبه و المفسدين يتغذيان على بعضهما البعض، فأي ضعف في واحدة منهما هو ضعف للأخرى.

لقد أضاعت الحكومة الوقت خلال الولاية السابقة، وأظهرت عدم الجدية في ترجمة إسقاط الفساد في سياسة عمومية فعلية، تجعل مواجهة الفساد مواجهة شعبية في شتى المجالات، عبر تنزيل شفاف للقوانين التنظيمية، أبرزها الفصل 27 المتعلق بحق الاطلاع على المعلومة و حق المواطنين و المواطنات في تقديم الملتمسات و العرائض تنزيلا للمقاربة التشاركية. لما يتطلبه اسقاط الفساد.

اتجهت الحكومة إلى الإسراع في إخراج قانون المناصب السامية، و المماطلة في إخراج القوانين التنظيمية التي ترسخ المقاربة التشاركية، عبر جعلها ضيقة شأنها شأن القانون التنظيمي الذي يهم الاطلاع على المعلومات -الفصل 27.

إن هذا الوضع لم يمنعنا من إكمال مسيرة مواجهة الفساد، إنما حتّم علينا تصعيد المواجهة وتعميم الوعي والمعرفة بالفساد والمفسدين والعمل على حماية الأجهزة الرقابية و تفعيلها وتطهيرها من أزلام السلطة الذين هم الشريك الأكبر في تعميم الفساد.

فمواجهة الفساد تكون عبر تفعيل القانون، خصوصًا النيابة العامة ، و تمكين الإدارات العمومية من الوثائق و المعطيات التي بحوزتها وفقا للفصل 27 من الدستور .
لا لتوظيف ترهيب الخصوم و شراء الذمم وتوظيفهم للمزايدة السياسية. وليس أدل على ذلك “قضية ثروة شباط التي لازالت دون حسيب أو رقيب ، إن عدم التحقيق في ثروة شباط يؤشر على حالة التسيب نتيجة تخلي المؤسسات في القيام بدورهما.

فلن نتقدم خطوة إلى الأمام؛ من دون الحسم مع الفساد و المفسدين عبر مواجهته مواجهة مفتوحة على كل الأصعدة، من خلال إعمال مقاربة تشاركية تجعل من قضية محاربة الفساد قضية شعبية، لكي تأخذ كل الملفات وجهتها الحقيقية في إطار دولة القانون و بأن تأخذ محاسبة الفاسدين مشروعيتها الشعبية وإطارها الشامل وفق آليات محددة، يساهم كل مواطن من موقعه في إسقاط الفساد.

الفساد يتطلب رجال دولة برؤية سياسية متكاملة ذات مدى متوسط وطويل لكونها مواجهة صعبة تستدعي الإيمان بالانتصار للوطن و الوطن أولا و أخيرا، نخبة يهمها مستقبل الأجيال اللاحقة و ليس الانتخابات أونخبة سياسية غايتها السلطة لذاتها.لا خيار أمامنا إلا أن نخوض معركة مواجهة الفساد.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->