محاكمة اكديم إيزيك.. ملاحظون "ما لاحظوش حاجة"

محاكمة اكديم إيزيك.. ملاحظون “ما لاحظوش حاجة”

يطرح “بيان الملاحظين الثمانية”، في قضية أحداث اكديم إيزيك، الذي نشرته وكالة الأنباء الجزائرية، أول أمس السبت، وقبله “بيان المحامين الفرنسيين الثلاثة”، أسئلة حقيقية حول حاملي البذلة السوداء، وحول رسالتهم النبيلة، باعتبارهم “حماة العدل”، وكيف يقبلون التحول إلى “حماة الظلم”…

والمؤكد أن محاكمة متهمي اكديم إيزيك، التي تواصل، اليوم الاثنين، جلستها السابعة، وفق المواثيق الدولية، وأمام محكمة مختصة ومستقلة، وتحت رقابة مراقبين وملاحظين دوليين، باتت تزعج كثيرا من يفترض فيهم احترام نٌبل مساعدة القضاء، في إحقاق العدالة، للوصول إلى الحق، والتزام الحياد، لتقييم مدى التزام المحكمة بشروط المحاكمة العادلة…

والمثير، هنا، أنه، على الرغم من الفشل الذريع، الذي واكب، قبل أسبوع، الترويج الإعلامي المخدوم من أبواق البوليساريو لبلاغ المحامين الفرنسيين الثلاثة حول مزاعم انتفاء المحاكمة العادلة بمحكمة سلا، جاء الدور، أول أمس السبت، على “بلاغ الملاحظين الثمانية”، الذي حمل إساءة بالغة، ليس للمغرب، فهو أقوى من أن تنال منه تهجمات بئيسة، ولكن الإساءة الأساس هي للمهنية، وللأخلاقيات، وللحقيقة… خصوصا أن الافتراءات المضمنة في “بلاغ الملاحظين الثمانية”، والمكملة لنهج “بلاغ المحامين الثلاثة”، تكذبها وتدحضها تصريحات قامات دولية في المحاماة، وحقوق الإنسان، مشهود لها بالمصداقية والكفاءة…

أولا، يعلم الجميع أن هؤلاء المراقبين أو الملاحظين المعنيين، غير محايدين بالمطلق، وأنشطتهم العدائية لوحدة المغرب الترابية لا تخفى، وأنشطتهم برفقة البوليساريو معلومة وموثقة، وكان بإمكان السلطات المغربية أن تمنع “أعداء الوطن” من دخول البلاد، لكن المغرب لم يفعل، استنكف عن ممارسة سلطة سيادية وترك هؤلاء يدخلون ويتحركون كيفما يشاؤون، حرصا منه على تفادي كل ما من شأنه أن يوجه أصابع الاتهام لشروط المحاكمة العادلة، والنتيجة: تبين للعموم أن المغرب كبير جدا وقوي ومتحضر، وأن الأعداء ومن يستعملونهم صغار جدا…

الملاحظون الثمانية يزعمون أن “محاكمة مجموعة اكديم إيزيك تندرج في خانة الاضطهاد السياسي بدلا من العدالة”، بيد أن النكتة، التي تثير السخرية، هو الزعم أن “الاعترافات انتزعت تحت التعذيب”، وحجتهم القوية هي الاستناد إلى “العديد من التقارير الدولية”، التي أكدت أنه “تم الحصول على الاعترافات تحت وقع  التعذيب والتوقيع على التصريحات لم يتم بشكل إرادي”، وأن “المتهمين أجبروا على التوقيع -بعد أن  أنهكت قواهم وتمت اخافتهم تحت تأثير التعذيب- بل وأرغموا على وضع بصمتهم الرقمية  على التصريحات”!!! في حين، هم أول من تابعوا، مباشرة وداخل الجلسة، كيف أن اعترافات متهمين بوقائع محددة تم توثيقها بمناسبة مثولهم أمام قاضي التحقيق بحضور محاميهم…

إنه نموذج لبؤس الدفوعات، التي يقدمها “مراقبون دوليون”، يستندون “إلى تقارير دولية”، فيما هم يفترض أنهم يتابعون أطوار المحاكمة، ويتصلون بالمتهمين، ويفترض، في إطار النزاهة والحياد، أن يتصلوا بالسلطات المعنية، ويطلبوا كل البيانات الضرورية، ويجمّعوا المعطيات اللازمة، بما يكفل لهم القيام بمهمتهم على أحسن وجه، فإذا بهم يلغون كل هذا، ويلغون كل ما يُقدم عليه المتهمون وعائلاتهم من أفعال تسيء إلى وقار وهيبة المحكمة، في تحقير مرفوض لسلطة القضاء، فضلا عن المس بمشاعر شعب برمته، برفع شعارات تمجد الانفصال، لو رُفعت في دولة من هذه الدول الغربية، التي يتحدر منها هؤلاء المراقبون، لقامت “القيامة الآن”…

بل أكثر من ذلك، وهذه نكتة أخرى أكثر بؤسا، أن هؤلاء، باعتبارهم “حماة العدل”، و”حماة المحاكمة العادلة”، لم يخجلوا أن يكونوا من المناهضين للعدل والمحاكمة العادلة، بمحاولة الدفاع عن مصادرة حق عائلات ضحايا أحداث اكديم إيزيك في الحقيقة أولا، وعدم إفلات المجرمين من العقاب ثانيا، ثم الإنصاف ثالثا…

من مظاهر هذا البؤس، الذي كنا، كإعلاميين، شهودا عليه ونحن نتابع أطوار المحاكمة، منذ انطلاق أولى جلساتها في 26 دجنبر 2016، هو المحاولات الصادمة لمصادرة عرض أي وسيلة من وسائل الإثبات في الملف… لقد كنا شهودا عندما تثور ثائرة المتهمين وذويهم، تحت أنظار هؤلاء المراقبين، وتحت ابتساماتهم الماكرة والمتواطئة، بما يُخل بالاحترام الواجب لوقار المحكمة، ويهدد بتقويض المحاكمة العادلة، عند  كل إثارة من المحكمة، أو دفاع الضحايا، لوسيلة من وسائل الإثبات، كعرض محجوزات من أسلحة بيضاء، وبذل عسكرية، أو عند عرض شريط فيديو يفضح، بالصوت والصورة، تلك الطرق الهمجية في مصادرة الحق في الحياة، وهو تاج الحقوق، وكيف أزهقت أرواح 11 عنصرا من قوات مغربية مجردة من السلاح، من بينهم إطفائي أعزل…

لقد أصبح الرأي العام الدولي يتبين، جلسة عن جلسة، وبيانا عن بيان، أن هناك من يحاول العمل جاهدا لنسف أسس المحاكمة العادلة، وأن هناك، بالمقابل، شخصيات دولية مرموقة مشهود لها بالمصداقية، وقفت على تلك المغالطات المفضوحة، واعترفت باجتهادات المحكمة في توفير كل حقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، التي تتساوى فيها حماية حقوق المدعى عليهم، بحماية حقوق المدعين، انطلاقا من مبادئ حقوق الإنسان الكونية، التي تفرض مساواة الأطراف، واستقلالية القضاء، وقرينة البراءة…

إن هذه المبادئ، لا يمكن أن تغطي عليها بيانات بئيسة لمحامين أو مراقبين “ما راقبوش حاجة”، لأنها، بالنسبة للمغرب، لا تعبر عن ترف قضائي، يؤثّت للحظة قضائية، تحت أضواء رقابة دولية، بقدر ما هي مبادئ ثابتة شَيد عليها المغرب ملاءمة وثيقته الدستورية، ونظامه القضائي والجنائي، مع التشريعات الدولية، بما مكّن من إصلاح قانون العدل العسكري، ونَقض حكم المحكمة العسكرية، على متهمي أحداث العيون، ليحالون على محكمة مدنية، تجري جلساتها، اليوم، بكل شروط المحاكمة العادلة…

محمد  سليكي

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->