الحبس والبرودة يشيبوا القرودة

الحبس والبرودة يشيبوا القرودة

كلما أثير موضوع يتعلق بالسجون المغربية، كلما حضرت إلى الذاكرة، بقوة وعنفوان، الراحلة آسية الوديع، وجهادها الكبير، من داخل مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، من أجل أنسنة السجون المغربية. كانت تنتقل من هذا السجن إلى ذاك، تلتقي نزلاء أو عائلاتهم، ولا يرف لها جفن عندما تكون منكبة على قضية سجنية حارقة، وما أكثرها…

من ضمن هذه القضايا، قضية “الخلوة”، وهناك قصة شهيرة، في هذا الصدد، تناقلتها وسائل إعلام دولية، عندما قدمت “ماما آسية” لمدير سجن عكاشة قائمة طويلة بنزلاء غير متهمين بقضايا إرهاب كانوا يطالبون بحقهم في “الخلوة”، ومنحهم وقتا مماثلا لذلك الممنوح للإرهابيين، يقضونه مع زوجاتهم. وكان سجناء كثيرون يسألون الراحلة آسية: “لماذا يحصل المدانون بالإرهاب على حقوق أكثر منا؟ هل تريدوننا أن نصبح سجناء إرهاب حتى نحصل على تلك الحقوق؟”.

سؤال حارق، يعيد عالم السجن إلى الواجهة، وخصوصا كيف كان نزلاء الإرهاب ينعمون بحياة “الفشوش”، وينظمون مباريات في الملاكمة، وفي كرة القدم، ويذبحون الخراف، ويختلون بزوجاتهم بانتظام يومي، ويتفسحون، وتترك أبواب زنازنهم مفتوحة لساعات طويلة…

من الطبيعي، في ظل هذا الوضع، أن يحس باقي السجناء بالضيم والغبن، بعضهم يضعف، وينتهز الفرص، فيتقرب من أولئك، الذين يستغلون تلك النفوس الضعيفة، فيستعبدونهم، ويحولونهم إلى “خدم” و”حشم” لدى شيوخ التطرف وأمراء الدم… والبعض الآخر يمتعض، ويتذمر، ويطرح سؤال الاستنكار “هل تريدوننا أن نصبح سجناء إرهاب حتى نحصل على تلك الحقوق؟”!

الأمور تغيرت حاليا، لكن إشكاليات كثيرة مازالت مطروحة على عالم ما وراء القضبان، الذي كان الفنان الشعبي ولد قدور طرحه في إحدى أغانيه “الحبس والبرودة يشيبو القرودة”…

نظريا، تعتبر عقوبة السجن قصاصا لفائدة المجتمع من فرد (أو جماعة) ارتكب خطأ يخرق التعاقد العام المجتمعي، الذي تحتكر الدولة، بموجبه، حق ممارسة العنف، من أجل الحفاظ على النظام والتعايش بين الأفراد والجماعات.

إلا أن العقوبة لا تجرد الشخص الواقع تحت طائلة سلب الحرية من كرامته الإنسانية، الأمر الذي تنص عليه القوانين والتشريعات على امتداد أطوار المتابعة، من التحقيق القانوني إلى المحاكمة العادلة، وصولا إلى تنفيذ العقوبة ضمن شروط إنسانية، تتوفر فيها للسجين كل شروط العيش، مع ضمانات السلامة الجسدية والمعنوية.

لا مجال للمقارنة بين الأوضاع الحالية للسجون في المغرب وما كانت عليه قبل سنوات ليست بالكثيرة، ففي سياق الانفراج السياسي العام، ومشاريع الإصلاح، والاهتمام بموضوع حقوق الإنسان، حصل تطور إيجابي على مستوى التعامل مع السجناء، في اتجاه أنسنة المؤسسة السجنية، سواء من خلال محاولة إدماج نزلائها في الحياة العامة، عبر دمجهم في أنشطة مهنية مختلفة، أو من خلال محاولة التقليل من مجال الانحراف داخلها، حتى باتت العديد من السجون تشهد أنشطة يجري إنتاجها من لدن النزلاء أنفسهم، بما فيها مسرحيات وعروض فنية ومعارض للرسم ومباريات رياضية، ويقوم الملك، شخصيا، وفي أحيان كثيرة، بزيارات تفقدية للمؤسسات السجنية، التي بدأت تنفتح على المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، المستقلة منها والرسمية، مثلما يجري حاليا في سجن عكاشة بالبيضاء، الذي يستضيف، على مدى ثلاثة أيام، بدءا من يوم أمس الثلاثاء، الدورة الثانية للجامعة الربيعية بالسجون، تحت شعار “تهييء السجناء للإدماج، أي دور للفاعلين المنتخبين؟”، وكانت مناسبة لمحمد التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ليبرز أن 65 ألف سجين سيستفيدون، هذه السنة، من برنامج “كفايات”، الذي يسعى إلى تنمية القدرات واكتساب المهارات لدى النزلاء.

هذا التوجه، يصب في اتجاه السعي إلى التوفيق بين معادلة العقاب وكرامة الإنسان، من خلال إقصاء مفهوم الانتقام، واستحضار دور المؤسسة السجنية كعامل إصلاح، وكمؤسسة للتأهيل والتكوين من أجل إعادة الإدماج.

ومع ذلك، مازالت هناك أمور كثيرة ليست على ما يرام في السجون المغربية، سواء من حيث الواقع المادي للسجناء، إذ تسجل تقارير المنظمات الحقوقية اختلالات كبيرة، تستدعي إصلاحات عميقة، لكي يتمكن السجن من أداء وظيفة الإصلاح وإعادة الإدماج، وتجاوز أعطابه البنيوية، التي تظهر من خلال حالات العود، المسجلة في قضايا الحق العام كما في الجرائم الإرهابية، وحالات “التخرج” في الانحراف والإجرام انطلاقا من السجن بالذات، بسبب فشل وظيفة هذه المؤسسة.

يفترض أن يكون السجن مؤسسة للتأهيل وإعادة الإدماج، وليس مدرسة لتخريج محترفي الانحراف والإجرام، وهذا ما يناضل من أجله الفاعلون الحقوقيون، من أجل تكريس وتطوير كل التدابير، التي تندرج في نهج أنسنة السجون…

لكن إذا كانت هذه “الأنسنة” تفتقد مبدأ المساواة، وتطبق بمحاباة، أو محسوبية، فإن السجن، في هذه الحالة، سيكون أعجز من أن يؤدي ولو نسبة ضئيلة من وظيفة الإصلاح والتقويم، ويصبح “الحبس والبرودة ما يبقاوا قادرين يشيبوا لا قرودة ولا قطوطة”، إذ لن يبقى في الأفق إلا الظلام، وتغذية نزعات الانحراف، وتفريغ الحقد والعنف والانتقام، سواء داخل السجن، أو خارج القضبان…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->