ابن كيران وابن حنبل وأيام الجنائز

ابن كيران وابن حنبل وأيام الجنائز

الظاهر أن عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المعفى، لا يريد أن يجد له مستقرا “يتكمّش” فيه، بالسبحة وبالوضوء والصلاة، كما قال وفعل عقب صدور قرار الإعفاء، إذ سرعان ما انهزم أمام إغراء الأضواء، وأمام خصلته المتأصلة في بعث إشارات بنفث إثارة النعرات وإشعال النزاعات…

وهكذا عاد إلى عادته القديمة، في أول خطاب بعد قرار الإعفاء، خلال حفل تأبين القيادي الوطني والاستقلالي الكبير الراحل امحمد بوستة، يوم الجمعة الماضي، بمسرح محمد الخامس بالرباط، فكان أقوى رسالة يوجهها هي التهديد بالانتفاضات والاضطرابات!!!

وقبل ذلك، عمد ابن كيران، كما العادة، إلى إطلاق أحكام مهزوزة، تترجم المرجعية المتخلفة، التي ينطلق منها الإخوان المسلمون في العمل السياسي، من قبيل تقييم الرجل بعدد الذين خرجوا في جنازته، فضلا عما يؤشر إليه ربط الكبير امحمد بوستة بأحمد ابن حنبل والجنائز، وكأنه لم يجد ما يذكّر به الراحل من عمل جليل، إلا بالموت العليل المتشفي، المنطلق من النفس المريضة، التي كان عليها أحمد بن حنبل، حين قال قولته تلك في مواجهة من أسماهم “أهل البدع”…

قبل الوقوف عند التأويل المنحرف الذي التجأ إليه ابن كيران لقولة ابن حنبل، نعود أولا إلى الأصل، وإلى ابن حنبل نفسه، وماذا كان يشكل في عصره، وسبب إعراض الناس عنه، وهذا ما يفسره ابن خلدون، إذ يقول: “فأما أحمد بن حنبل فمقلِّده قليل لبُعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض”… كما كانت القيم، التي يدعو إليها ويكرسها، هي قيم النقل دون إعمال العقل، وهي التي شكلت المرجعية الفكرية، التي تأسست عليها كل التيارات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية والتقتيلية، إذ إن تشدد الحنابلة على من أسموهم “أهل البدع والضلالات”، أفضى بهم إلى المبادرة بأفعال “التعزير”، انطلاقا من أحكامهم الخاصة، التي اعتبروها هي أحكام الله، وهم الممثلون الشرعيون، دون غيرهم، لدين الإسلام ولـ”منفذي أوامر الله”، وهذا ما رواه ابن الأثير من خلال قصة “ما حصل منهم في سنة 323هـ، حينما قويت شوكتهم، فصاروا يكبسون على دور القُوَّاد والعامَّة، فإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنيَّة ضربوها، وكسروا آلة اللهو…”.

قولة أحمد ابن حنبل المذكورة، يرويها عنه ابنه عبد الله، إذ يقول: “سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع، بيننا وبينكم يوم الجنائز”.

والمعنى، هنا، لا علاقة له بقيامة أو قومة أو ثورة، وإنما عدد الذين يخرجون في الجنازة. قال الحافظ ابن كثير في كتاب “التاريخ”: “وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه. وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دواد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يلتفت إليه. ولما مات، ماشيعه إلاٌ قليل من أعوان السٌلطان. وكذلك الحارث ابن أسد المحاسبي، مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته، لم يُصلّ عليه إلاٌ ثلاثة أو أربعة من الناس، وكذلك بشر بن غياث المريسي، لم يُصلّ عليه إلا طائفة يسيرة جدا”.

هذه المرجعية المتخلفة، هي التي اعتمدها ابن كيران في تقييم شخصية بوستة، من خلال الإشارة إلى حجم المشاركين في جنازته، لكن سرعان ما ينقلب عن هذا المنحى، ليُحوّل معنى الجنائز إلى رائحة الموت، في معادلة الانتفاض، بالتهييج لخروج الجماهير، ضد “الخوارج”، الذين هم كل مخالفيه في الرأي والتوجهات السياسية والفكرية… أخذا بالاعتبار أن خطاب التهديد والوعيد هو خطاب إخواني محض… وهذه هي الحقيقة التي يغلّفها ابن كيران بـ”الجمل الغليظة والشعاراتية”، للتغطية على معناها التكفيري، بالقول “بيننا وبين المنتفعين والذين يعتبرون الوطن خالصا لهم يستمتعون به كما يشاؤون ولا يبالون بأهله، بيننا وبينهم الجنائز، حين تخرج الجماهير للتعبير عن عاطفتها ولا تبالي بما سيقال عنها”.

هذا التناقض الوجودي، الذي يعيشه ابن كيران بين الشيء ونقيضه، بين المضمن التكفيري الإقصائي الاستئصالي، وبين المعلن عن التمسك بالوسطية والاعتدال، هو نفسه التناقض، الذي يعتبر جوهر مرجعية الإخوان المسلمين، وبسببه خبروا، أكثر من غيرهم، ممارسة فعل “التقية”، وهنا خطورتهم القصوى، التي تعتبر أخطر من تلك المتأتية من داعش أو القاعدة… فهذان التنظيمان واضحان، في مرجعيتهما وفي ممارساتهما الإرهابية، وفي خطابيهما، وفي بسط أدبياتهما، وآليات تحركهما، واستراتيجيتهما، وكيف يريدان الاختراق، والقتال، والتوسع، وصولا إلى “التمكين”، وممارسة السلطة والهيمنة على الحكم… فيما الإخوان المسلمون، عاشوا ويعيشون، في كثير من محطات مسارهم التاريخي، بأكثر من وجه، يظهرون ما لا يبطنون، قبل أن يُغرقوا شعوبهم في الدماء…

الخطاب الإخواني خطير، يعتمد على التقية، واستعمال الموقف ونقيض الموقف، وعرض خدماتهم على “أولي الأمر”، بمسكنة ومذلة، وعندما لا يجدون ما يريدون، ينتقلون إلى خطاب التكفير والتهديد والوعيد… فالإخواني، مهما ادعى تغيير جلدته، يبقى إخوانيا وكفى…

أحد المراقبين الفايسبوكيين قال، بغير قليل من المكر، إن حالة ابن كيران، في هذه الفترة، يمكن تسميتها بـ”التلفة”، فقال آخر معلقا: “اللي تلف يشد الارض”!!!

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->