"تلك الرائحة".. تفاعلا مع إلياس في تدوينة الخيانة

“تلك الرائحة”.. تفاعلا مع إلياس في تدوينة الخيانة

لا أعرف كيف ذكّرتني تدوينة إلياس العماري، التي كتبها، أول أمس السبت، على حائطه الفايسبوكي، بالرواية الجميلة العنيفة المتوترة النافرة المتمردة الغاضبة، التي تحمل اسم “تلك الرائحة”…

كنا نقرأها ونحن في حالة اندهاش وحلول، كانت تؤسس لتجربة لم تكن مطروقة من قبل، عربيا على الأقل، تجربة الاعتقال السياسي، ومقاربة واقع القهر الجسدي والنفسي، الذي يمارسه السجن والسجان والنظام على المقموعين…

لا أعرف كيف تذكرتها، لأن ما تزخر به رواية صنع الله إبراهيم من رسائل مشفرة، مرتبطة بظرفية 1966، التي مارس فيها النظام الناصري قمعا شرسا على الشيوعيين المصريين، لا علاقة لها بالرسائل الواضحة والقوية في تدوينة إلياس العماري، المرتبطة بظرفية 2017، التي يمارس فيها الإخوان المسلمون على المغاربة عمليات تخريب ممنهجة للقيم والمبادئ، وجر متناضلينومتصاحفينومتياسرين إلى تسويغ البيعة للتخلف والرجعية والظلامية. ولذلك، لعل الرابط الوحيد، في هذا التذكر والاسترجاع، يتمثل في “تلك الرائحة”، في حد ذاتها، التي ترصد كل تمظهرات القبح هناك، وهنا…

الأكيد أن تدوينة إلياس توقظ وتذكي، لدى العديدين منا، مشاعر دفينة، وحكايات جريحة، بقيم متأصلة تتعرض للطعن بالخيانات والنفاق… على المستوى الشخصي، أتذكر حكاية حمدان، الذي انخرط في حركة يسارية سرية وهو تلميذ مراهق، ثم تحولت الحركة إلى العمل العلني وفق القوانين الجاري بها العمل. يستحضر حمدان قدرة تنظيم سري على الوصول إليه وهو في مدينة عمالية صغيرة ومهمّشة، واستقطابه إلى صفوفه، يتذكر انخراطه في خلية حزبية، مازال يحتفظ بمحاضر اجتماعاتها، كان فيها “التثقيف الذاتي” نقطة ثابتة في جداول أعمالها. كان التنظيم، سريا أو علنيا، يناضل في ذاته بموازاة مع نضاله في المجتمع، كان مدرسة حقيقية للتربية والتكوين والتأطير السياسي، وتخريج مناضلين مسؤولين، يتمتعون باستقلالية الشخصية، وبتملك رؤية للواقع ولطبيعة الوجود والصراع في البلد وفي العالم، وبالقدرة على الدفاع عن المشروع المجتمعي للتنظيم، الذي يتجدد ويتطور باستمرار، في إطار حوار ديمقراطي مفتوح…

في هذا المناخ، كان الخلاف عاملا للتقدم وإذكاء للاجتهاد السياسي، وليس مثار انفجار وتصدع، كل الحساسيات تعبر عن نفسها، الأغلبية تقود، دون إلغاء لحقوق الأقلية. كنا نعيش هذه القيم بالروح والجسد والأعصاب، وبكل وفاء وتضحية وعطاء، في تلك المدن الصغيرة، التي كنا نوصف فيها بأننا “نيّة” بمعناها الدارج، وبهذه “النية”، كنا “نرى” قياداتنا المتمركزة في العاصمتين، الرباط والدارالبيضاء، مثل أنبياء أو أبطال خرافيين…

مرت سنوات، وانتقل بعضنا إلى المدينة الكبيرة، أخذنا نعايش ما يحدث من تحولات، في البنى والهياكل والعقليات والسلوكات، المغايرة جذريا لتلك التي حملناها في “رؤانا”، لقادة تحوّلوا إلى كُتل مناورات، ومؤامرات، يتصارعون ويتخاصمون ويتعانقون ويتنافقون، وفي القواعد، تندلع حروب شعواء بالنيابة…

في مدننا الصغيرة، كنا نعيش ونصنع أرضيات للحوار الديمقراطي، الذي يساهم في إغناء التصورات والممارسات، وفي مدننا الكبيرة، بدأنا نتمترس بأرضيات “حوار الطرشان”، المناضل لا يحاول أن ينصت جيدا لرأيك، ليناقشك في أبعاده الفعلية، وقد يثمر النقاش انضمام أحد الطرفين لهذا الرأي أو ذاك، أو قد يثمر التوصل إلى صيغة أرقى تتجاوز برحابة الحدود الضيقة للرأيين معا، أصبح المناضل، فقط، يستمع ليتصيد أين يمكن أن يستعمل كلامك “ليدخل فيك”، إما كلاميا في أحسن الأحوال، وفي أسوئها قد “يخلي دار بوك”.

في هذه المعامع، يضيَع القادة والمناضلون البوصلة، ويتحوّل التنظيم إلى شبيه بسوق زمن السيبة: فيه شرفاء وانتهازيون ووصوليون وجهلة ومرضى نفسيون ولصوص ومنحرفون، الغلبة للأقوى، والأقلية “تُطحن”، و”اللي ما شدّ الصف” يندحر، ومن لم يعجبه الحال، فأرض الله واسعة…

يحاول حمدان أن يضع مسافة من هذا الغبار، ويتأمل في الذي كان وفي واقع الحال والمآل، الذي أضحى فيه لليسار، مثلا، غلمان وصبايا يعزفون على كل الأوتار، يشتمون “المخزن” و”يتلحمسون” للخوانجية، ووقع التحول العنيف: لم تعد مسلكيات ومواقف الخيانات والنفاق تُمارس في الخفاء، بل أضحت تظهر للعلن، ويجتهد الغلمان والصبايا في التبرير بـ”شبه تنظير” للخيانة… فلا يجد المرء إلا وهو أمام “تلك الرائحة”!

تلك الرائحة عنوان على ضياع حالات الصفاء والنقاء، في تلك المدن والقرى البعيدة، ولدى “المتحوّلين”، مع انقلابات اتجاهات التحالفات والخصومات والصداقات، في “عالم الخداع والنفاق، وضجيج النميمة والغيبة، عالم تتعدد فيه وجوه الشخص الواحد، عالم تتبدل فيه شخصية الفرد من مجلس إلى مجلس، يتحدث في واحد لغة الرفاق، وفي آخر لغة الإخوان…”، مثلما يقول إلياس في تدوينته الجارحة…

قد نمنّي النفس بـ”العودة” إلى تلك العوالم السحيقة، لكن الأكيد أننا قد لا نجدها كما كانت، غالبا ستكون مُخترقة بتحولات عميقة، لذلك قد يكون الأجدى أن نرفع “تلك الرائحة” أمام “عدوى انفصام الشخصية وانتشار الخيانة والنفاق في العلاقات الإنسانية”، ونداري أحلامنا الصغيرة والكبيرة، في مدننا الصغيرة والكبيرة، ونستعيدنا ونستعيدها مع كل أهلنا الطيبين، ونحلم أن نصنع معهم لحظات للفرح، آتية لا ريب فيها، ونطلقها زغرودة حرّى، ونغني: هذا هو العرس المغربي…

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->