العدالة والتنمية عقدة التحول من الحزب الديني إلى الحزب المدني

العدالة والتنمية عقدة التحول من الحزب الديني إلى الحزب المدني

التحول السياسي الذي يعيشه اليوم حزب العدالة والتنمية قد يكون عادي بالنسبة للأحزاب الغير عقائدية لكن بالنسبة لحزب عقائدي شيء مختلف والذي كان يقدم بكون تسييره للشأن العام خدمة يقتضي منها رضاء وجه الله، وبروز تدافع حول الاستوزار عقب عدم استوزار بعض الوجوه، وما تبعه من خرجات على مستوى شبكات التواصل، جوهرها التعبير عن عدم الرضا لكون الهندسة الحكومية لم تترجم تطلعاتهم السياسية، وردة الفعل هذه عادية إذا كانت في أي حزب مدني غير أن حزب العدالة والتنمية الذي له مشروع التمكين والهيمنة هو الذي افرز خيبة أمل ومخاض حقيقي على اعتبار أن حلمهم بالهيمنة على الحكومة قد تحول إلى سراب، وهو ما يجعل من الصعب التكهّن بمستقبل حزب العدالة والتنمية، على ضوء ما يحدث الآن ويبقى تعيين سعد الدين العثماني، و إصراره على تعيين الرميد هو وصفة لضمان توازن بين الشخصين، وحظوظ الرميد توليفة سياسية واتجاه إلى أن يكون مصطفى الرميد هو المراقب لسعد الدين العثماني في أفق تمكينه من خلافة بنكيران في المؤتمر المقبل للعدالة والتنمية”.

والخطأ الذي يقع فيه العديد من الباحثين في مقارنة البيجيدي بالاتحاد الاشتراكي، وهي مقارنة لا تستقيم باعتبار الاتحاد الاشتراكي كان جبهة  أكثر من حزب، بحيث كان ذو تركبية متنوعة مكونة بالأساس من الاشتراكيين والقوميين والحداثيين والديمقراطيين، هذا ما جعل هذا التنظيم الحزبي قائم على التباين والتنوع والصراع بين الأجنحة، فيما العدالة والتنمية هو في جوهره تنظيم ديني دعوي  له رؤية أبوية يحدّد إطارَها شيوخ حركة التوحيد والإصلاح”.

ورغم أنّ قادة الجناح الدعوي لـ”حزب العدالة والتنمية ” يسوق بكون هناك تمايز بين المجال السياسي والدعوي، فإنّ واقع الحال وتجربة خمس سنوات من حكومة بنكيران تؤكد أن هناك خلط بين المجال الدعوي و المجال السياسي، فشيوخ الجماعة يلعبون  دورَ المُرشد وهم من يُحددون توجهات الحزب، وتحظى قراراتهم بالانضباط، مضيفا أنّ حزب العدالة والتنمية “هو تنظيمٌ ديني الجوهر، حتى لو ظهر في شكل حزب مدني” .

وكدليل على ذلك يمكن رصد توقيت خرجات الريسوني في المراحل الصعبة التي كان يمر بها التنظيم الحزبي، من حيث الزمان إبان مناقشة أمور قيمية أو عندما يتعلق بشخصيات تنتمي للجماعة؛ كلنا عاينا مساندة الريسوني لوزراء التوحيد و الإصلاح إبان بروز فضائح الوزراء، وزراء الجماعة المنتمين للعدالة والتنمية، كمساندة الحبيب الشوباني و مساندة عضو الأمانة العامة حامي الدين، و الضغط على بنكيران في المراحل المفصلية، وإصراره الان على بقاء بنكيران فاعل سياسي، في حين التزم الصمت عند بروز فضائح عمارة والرياح عند فضيحة الحمام والسرير.

المؤتمر القادم هو اختبار حقيقي لقضية الفصل بين الدعوي والسياسي، وما مدى اندراجه في السياق الوطني نحو التحديث  والديمقراطية و العمل بمنطق المؤسسات. هل سيتمكن سعد الدين العثماني الذي بات له شرعية التعيين الملكي ورئاسة الحكومة والذي طالما كان يسوق له كأحد الداعمين للإعلان عن الفصل بين الدعوة والسياسة، للانخراط بشكل كلي ومبدئي في مسارات التحديث والدمقراطية. أم مصطفى الرميد الذي حاول تقديم نفسه استمرار للنهج البنكيراني.

إذن المؤتمر القادم سيشهد صراع بين كل من جناح الرميد وجناح العثماني لخلافة بنكيران،  وما يجعل المرحلة مفصلية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية هو طبيعة السياق الوطني والإقليمي والدولي. الذي يحكم تفاعلها السياسي فرض عليها نهج تكتيك الانحناء العاصفة وسلك أسلوب المهادنة لكون الخيارات كانت محدودة؛ فرض عليهم الانحناء.

1. على المستوى الوطني، مرحلة إخراج المؤسسات الدستورية ودخول المنطق الدستوري بحيث فشلت محاولات في الهيمنة والتأويل الأحادي للدستور، الذي انخرط فيه تيار الرميد طوال البلوكاج الحكومي عبر حشد بعض المحللين وضغط إعلامي غير مسبوق الذي أظهر أن تحليلاتهم خارج السياق بعد خروج بلاغ الديوان الملكي.

2. على مستوى السياق الإقليمي؛ تراجع الحاضنة الإقليمية في كل من مصر وتونس.

3.  على المستوى الدولي؛  تراجع الحاضنة الأمريكية خاصة بعد مجيء الجمهوريين بدل الديمقراطيين الذين شجعوا وصول الإسلاميين للسلطة في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، فإن الجمهوريين بخلاف الديمقراطيين سبق لهم وتقدموا بمقترح قانون لاعتبار تنظيم الاخوان المسلمين حركة إرهابية، هذا الأمر الذي لم يعد يسمح لتنظيمات الإسلام السياسي بالاستمرار بنفس المشروع بأشكاله القديمة. والتي تفرض أن تكون العدالة والتنمية جسد سياسي مدني، دون التسييس الدعوي  في ظل سياقات دولية لم تعد تسمح بالخلط  بين الدين والسياسة،  و المؤتمر القادم هو المحك الحقيقي بكونه حزب مدني ديمقراطي.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->