حامي الدين ولفتيت وأشعب والخُلطي وابن كيران والإخوان

حامي الدين ولفتيت وأشعب والخُلطي وابن كيران والإخوان

الصورة الموضوعة في المادة الرئيسية لعدد اليوم الجمعة من “آخر ساعة”، صورة عجيبة، وناطقة بلسان الحال، تعيد كل شخص إلى حقيقة أصله وفصله، باعتبار عبد العلي حامي الدين كأحد “خدام المخزن”، يتمسح بأهداب وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الذي ظل “الخادم” إياه يهاجمه باعتباره أحد “خدام الدولة”، واليوم يتمسح به للحصول على هاتفه…

الوجه المتلوّن لحامي الدين هو خصلة متأصلة في ثقافة وتربية الإخوان المسلمين، إذ هو نفسه الذي لم يترك مناسبة دون مهاجمة وزير الداخلية السابق محمد حصاد، يأتي اليوم ليرحب بحصاد ويعتبر تعيينه وزيرا للتعليم قرارا صائبا، وأن هناك حاجة فعلية إلى خبرته “كشرط واقف لإصلاح التعليم”…

مثل هؤلاء المتلونين غالبا ما يكونون أذكياء في التلون والتقلب وخدمة الأسياد، وللتغطية على هذه الوجوه، غالبا ما يعمد هؤلاء إلى كل أشكال وأنواع الاستئساد…

إنه الوضع نفسه، الذي تعيش عليه شبيبة الإخوان المسلمين بالمغرب، هذه الأيام، إذ تبدو غاضبة تائهة دائخة لا تكاد تعرف ماذا تفعل بنفسها ومواقفها. لكن أكبر تلفة هي أنها تريد أن تعرض نفسها كـ”قوة للصمود والممانعة”، فيما هي تنسى أصلها وفصلها باعتبارها تتحدر من قوى بُنيت على العمالة للنظام، وأداة لتسويغ الفساد والاستبداد وضرب قوى التحديث والدمقرطة…

أبرز مثال على ذلك، بيان شبيبة الإخوان، في الدورة الاستثنائية للجنتها المركزية الأسبوع الماضي، إذ أظهر أن الكتائب إياها هي فعلا جماعة مداويخ، وأنها باتت اليوم هي الاحتياطي الذي سيستعمله ابن كيران للانقلاب على مقررات الحزب، ولفرض استمراره في الأمانة العامة لولاية أخرى، تجسيدا للبنية الاستبدادية، البعيدة جذريا عن كل قيم الديمقراطية، والتي تميز أصل وفصل الإخوان المسلمين، إنه الزعيم، وبين يديه مداويخ استعملهم، بالأمس، في تخريجة التمديد له بتأخير مؤتمر الحزب، ويستعملهم، اليوم، في تخريجة إحداث تغيير مرتقب لقوانين الحزب ليبقى على الكرسي، فالزعيم لم يعد يجد راحة بعيدا عن الأضواء، وسننتظر باستمرار أن يثير بين الحين والآخر الكثير من الغبار، لتبقى الأضواء مسلطة على الزعيم، الذي كان باستمرار أداة بيد “الحزب السري” في الدولة لاستعماله ضد القوى الديمقراطية…

خرجات شبيبة الإخوان، المتساوقة مع خرجات حامي الدين ومن معه، المعاكسة لسعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، تبعث رسالة قوية في اتجاه تهييء الأرضية اللازمة لإحداث انقلاب على قوانين البيجيدي، لأن ابن كيران يريد أن يستمر، وأن يقول، لكل من يعنيه الأمر، إنه لم ينهزم، وإنه ها هنا قاعد، والبركة في المداويخ وأبواقه المعروفة…

بيان المداويخ شبيه بقصة أشعب المعروف بالطمع والكذب، حين مر يوما على صبية يلعبون قرب بيته، وليصرفهم قال لهم إن في بيت فلان وليمة ويوزعون الحلوى، فانصرف الصغار يتراكضون، فانتاب أشعب الطمع، وصدّق كذبته، ولحق بهم لعله يحصل على بعض الحلوى مثلهم… لقد صدّق المداويخ كذبة أنهم وزعيمهم هم رموز الصمود والممانعة، وحماة الإرادة الشعبية، ومواجهو آلة التحكم…

والطريف الدراماتيكي في الكذبة أن شبيبة الإخوان المسلمين بالمغرب “لفتت الانتباه إلى أن مسلسل ضرب وإضعاف الأحزاب الوطنية، وبثّ الفرقة والشقاق بين مكوناتها، ومصادرة قرارها، ستكون له نتائج خطيرة على الممارسة السياسية ببلادنا، من خلال فقدان ثقة المواطنين، والتمكين لدعاوى العدمية والتطرف، التي تهدد استقرار بلدنا”…

عندما يسمع المرء هذا الكلام الكبير الغليظ، يكاد يستلقي على قفاه من شدة الضحك، ومن هذا المآل الفجائعي، الذي أصبح عليه خُدّام المحافظة والرجعية والاستبداد…

ما ذهب إليه بيان شبيبة الإخوان المسلمين، بخصوص إفساد العمل السياسي والنشاط الحزبي، صحيح جدا، ففي عهود ماضية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في افتتاحية سابقة، بُذلت محاولات حثيثة لإضعاف الأحزاب، وجعلها مجرد تنظيمات خاضعة، بلا هوية ولا شخصية، عن طريق خلق أحزاب إدارية، أو استقطاب عملاء داخلها، وشراء وإرشاء بعض نخبها، أو عن طريق القمع والتنكيل ومحاولات المحو من الخريطة السياسية…

أسلوب القمع، الذي نهجته القوى “المخزنية”، ضد قوى اليسار، اعتمد وسيلتين أو استعمل أداتين: أداة قوى القمع بهراواتها ومطارداتها واعتقالاتها ومحاكماتها والسنوات ذوات العدد في زنازينها، والأداة الثانية تمثلت في استعمال الإخوان المسلمين بالمغرب، وفي مقدمتهم ابن كيران، لضرب رموز اليسار، ولاجثتات قياداتهم ومناضليهم من الفضاء الرحب، الذي كان ينتج ويغذي مختلف قوى التقدم والتحديث والدمقرطة، وهو الحرم الجامعي. قدمت قوى اليسار تضحيات مريرة لحماية الحرم الجامعي، وتحصينه من الاختراقات الرجعية، وجعله فضاء للحوار الديمقراطي، ولممارسة الاختلاف، الذي كان يصل أحيانا إلى درجة قصوى من الحدة، لكن في المحصلة كانت لكل التيارات الديمقراطية متسع للوجود، إذ كانت متأصلة في الجامعات، ولذلك فشلت كل محاولات الاستئصال، ولم تحقق النجاح إلا بتكالب الأداتين: أداة القمع عبر خلق جهاز الحرس الجامعي (الأواكس)، وأداة العملاء والمندسين والمتسللين عبر الدفع بالخوانجية إلى الساحة الجامعية للبدء في عملية السطو على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم)…

علينا أن نتذكر، أيضا، ما فعله ابن كيران وعشيرته، منذ تولي حكومة البيجيدي الرجعية، من ممارسات لضرب وتمزيق الأحزاب الكبرى، وفي المقدمة الاتحاد والاستقلال، ومن تدخلات سافرة في شؤونهما الداخلية، ومحاولات الاستقطاب والاستمالة وترجيح طرف دون آخر داخل كل حزب…

واليوم يأتينا المداويخ، ومرشدهم أو إمامهم، ليتقمصوا دور “الصمود والممانعة”، فيما هم، في واقع الأمر، لا يتعدّون الدور الذي تقمصه أشعب الطماع، ولا يتعدّون حدود الصورة التي تجمع حامي الدين بلفتيت، ولا التوصيف الذي أطلقه عليهم مسؤول الاستعلامات العامة بالرباط العميد الخلطي، من أنهم كانوا “من أخلص المتعاونين”…

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->