رشيد لزرق يكتب عن: الانقسامات السياسية داخل العدالة والتنمية

رشيد لزرق يكتب عن: الانقسامات السياسية داخل العدالة والتنمية

لا يختلف اثنان في كون الممارسة السياسية أفرزت دستورا متقدما أمام نخبة سياسية متخلفة عن مواكبة السياق الدستوري، أفرزت واقع بؤس الخطاب وإفلاس مشاريعي وتيها سياسيا عطل البلاد والعباد نصف سنة فيما سمي بالبلوكاج الحكومي، إتسم بالمخاتلة السياسية بين أطراف التحالف الحكومي. لعب فيه بنكيران دور البطولة في الهاء المخيال الشعبي بلغة التصريحات والتصريحات المضادة، مما حتم تدخل الملك لوقف العبث السياسي والحفاظ على السير العادي للمؤسسات، بعزل بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني. هذا التعيين كشف واقع الانقسام السياسي داخل العدالة و التنمية بين طرحين.

طرح يدعو للتصعيد لمواجهة التحكم 

يعتبر دعاة التصعيد أن تعيين العثماني  «هدية مسمومة»، داعين إلى ضرورة مواجهة ما يسمونه ب”التحكم” عبر الدعوة للخروج للمعارضة والتلميح بالعمل خارج المؤسسات. لأن الدخول للحكومة سيجعل الحزب فاقدا للمصداقية في شعاراته التي رفع لمواجهة التحكم.

طرح آخر يدعو إلى نهج البراغماتية السياسية، اصحاب هذا  الطرح يدعون إلى التحلي بنهج براغماتي ويدعون إلى ضرورة عدم الانجرار، أمام ردة الفعل والتعامل مع التحول السياسي برؤية براغماتية.

فالسياق السياسي لا يساعد على الانجرار، داعين إلى فهم مغزى اللحظة لأن الركون للغة الاندفاع هي مغامرة سياسية غير مضمونة، من شأنها أن تؤدي للانتحار السياسي.

 العائق الدستوري 

السياق الدستوري واضح، لا يمكن إلزام الملك بتعيين شخص بعينه داخل حزب العدالة و التنمية، لكون اختيار الشخص يكون بالإرادة المنفردة لشخص الملك، والتمسك ببنكيران هو مزايدة فارغة، لأن الوثيقة الدستورية والفصل 47 يخول للملك حرية الاختيار  بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية. والإصرار على شخص بعينه، لا يغدو أن يكون مزايدة سياسية لم يأتي بها الدستور من سلطان، وبلاغ الديوان الملكي واضح في هذا المجال.

التفاعل الإيجابي مع اختيار الملك 

التفاعل الإيجابي مع تعيين سعد الدين العثماني أملاه تقدير سياسي، لأن الملك اختار الشخصية الثانية في تنظيم العدالة والتنمية، رغم الخيارات المتعددة التي يخولها له الدستور وروح الدستور، و من شأن التمرد على هذا الاختيار الدستوري أن يجعل العدالة و التنمية خارج الشرعية الدستورية، ويظهر بالملموس سعيهم للهيمنة، و الانقلاب على الدستور، ومن شأن هذا الاتجاه أن يجعلهم في وضع مشابه لوضع إخوان مصر .

العثماني وتنازلات تشكيل الحكومة 

العثماني بالفعل استطاع تشكيل الحكومة والحصول على تزكية البرلمان عبر تدبير مفاوضات الحكومة بمنطق أخف الأضرار.  و الآن يحاول تدبير المرحلة بالجمع بين الطرفين، في سعي منه لضمان التهدئة وضمن هذا السياق جاءت زيارته لمقر التوحيد الإصلاح كرسالة للدولة في إطار لعبة تبادل الأدوار، بين الدعوي و السياسي، كأمر واقع في المعادلة السياسية، وطي صفحة التجاذبات السياسية، ووقف التصريحات التحريضية التي يقوم بها بعض صقور العدالة والتنمية و التي هي ترجمة لرؤية شيوخ الجماعة، وفعل استباقي لمواجهة أي دعوى للفصل بين الدعوي و السياسي. و من بعدها اتجه عند بنكيران كرسالة سياسية مدلولها أن بنكيران في قلب المعادلة السياسية ، لضمان وحدة التنظيم و لعب دور التنافس على أحاسيس القواعد.

العثماني بحسه السياسي ومعرفته بالظاهرة الإخوانية، يفهم أكثر من غيره أن الانجرار وراء عواطف الصقور، قد يؤدي إلى الدخول في معارك سياسية، في ظل  سياق دولي و إقليمي لم يعد يسمح بالخلط بين السياسي و الديني، و الظرفية تستوجب إزالة اللبس والظهور كحزب سياسي مدني يؤمن بالديمقراطية والتداول على السلطة ولا يحتكم لغير صناديق الاقتراع، وبخلاف ذلك يمكن أن يدخل العدالة والتنمية إلى السيناريو الأسوأ، لن يقف عند حد الخروج للمعارضة بل من شأن هذه الخطوة الذي يصرح بها بعض صقور الجماعة أن تعبد الطريق إلى تهديد بنية الحزب التنظيمية، خاصة والمصالحية، كما يمكن أن يكشف زيف  ادعاء عذرية السياسة، بأن هناك العديد من الشبهات في ملفات فساد وزارية لبعض أعضاءها، و تحذيرهم أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى نفس مصير العدالة والحرية على غرار ما حصل لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، الذي يرتبطون به بروابط عقائدية وتنظيمية، في إطار تنظيم الإخوان المسلمين العالمي.

بنكيران  ووقف التصدعات 

بنكيران يريد أن يصل من خلال رسائله إلى أن العدالة و التنمية تتنازل في الحدود القصوى، لكي لا يصبح وجودها محلّ جدل،  ويضغط على العثماني لكي لا يتسرع في تقديم هذه التنازلات، فالجهات الضاغطة لا تقبل أحيانا بغير ما تريد حتى في صورة تململ القواعد، فوحدة التنظيم في حاجة لضغط بنكيران، لكي يحتوي ضغوطات القواعد حتى يجد العثماني مبرّرات إزاء أطراف أخرى، في إطار  “تقاسم الأدوار”، حتى لا تخسر عددا من منخرطيها، فقواعد العدالة والتنمية يميلون بطبيعة تكوينهم إلى “حركة التوحيد والإصلاح”، فإنهم غير قادرين على الإلتزام والقبول ببعض المواقف السياسية التي يلتزم بها الحزب، وهو ما يؤشر إلى أنّ حجم الإحتقان سيتّسع في المرحلة القادمة، خاصة وأن المسار يفرض على العثماني طي صفحة التجاذبات السياسية، و ترك بنكيران يلعب دور التنفيس داخل تنظيم العدالة و التنمية للمحافظة على وحدته، لأن العدالة و التنمية ستخسر عددا من كثلتها الناخبة بعد إلباس العثماني جبة البراغماتية السياسية و لم يتقمص دور المزايد، و بما أن صقورها  غير قادرين على الإلتزام والقبول ببعض المواقف السياسية التي يلتزم بها الحزب، فإن مواقف بنكيران تحاول تقزيم حجم التباين، لأن التصعيد جيد لضمان وحدة القواعد خلفه ولعب دور  الضحية… إظهار أن العثماني تنازل في الحدود القصوى، و تبرير خرجاته أن هناك حاجة لتنفيس القواعد حتى يجد مبرّرات إزاء أطراف أخرى ، وفسّر ذلك بنوع من “تقاسم الأدوار” أحيانا . باعتبار وجود خطوط حمراء تفرض التنازل مع اتجاه العثماني إلى إحداث متغيرات مع المعارضة خاصة الأصالة و المعاصرة لإدراكه أن خلافات السياسيين لا يعني كثيرا الفئات الاجتماعية من عموم الناس، وفي محاولة منه للتهدئة، حتى يضمن الحزب اندماجه في اللعبة السياسية قد يضطر للقضم من كتلته الانتخابية، لأن السياسة ليست إلا فنَّ الممكن وفنَّ تقديم التنازلات المحسوبة في الزمان وفي المآل، خاصة عندما يكون المشهد العام ليس في صالحهم؛ والوضع الاجتماعي محتقن أقوى من طاقة الاحتمال .

العثماني.. هل سيسهم في ولادة جديدة للعدالة و التنمية 

العثماني سيحاول تسويق التنازلات الكبيرة، التي رفضها بنكيران بكونها لمصلحة الحزب وأنها ناقذت المسار الاندماجي،  الذي يعرفه في تبرير تغيير مواقفه في العديد من الاشتراطات التي جعلها بنكيران خطوط حمراء، لتجنب “الصدمة المصرية” و التحلي بالنهج الغنوشي، عبر نهج الحوار و الوفاق بديلا عن نهج الصراع والمغالبة  بحثا عن التوافق مع الجميع بمن فيهم الأصالة والمعاصرة.

لأن الهدف هو ضمان اندماج الحزب في اللعبة السياسية ولو كانت مشاركته بالحكومة غير متكافئة مع وزنه الانتخابي.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
كشك
-->