الفوسفاط والبوليساريو وسن اليأس

الفوسفاط والبوليساريو وسن اليأس

منذ أن عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، بداية السنة الجارية، بعد 32 سنة من الغياب، وسن اليأس بدأ يظهر بجلاء على قيادة البوليساريو، وتصاعد أكثر مع الهزيمة المدوية، التي آلت إليها كل التحركات المناوئة لعودة المغرب، خصوصا عندما وافقت 39 دولة على الطلب المغربي من أصل 54 دولة… وبذلك، تصاعدت خرجات التناور والاستفزاز، التي لا تفعل أكثر من تأكيد إفلاس أطروحة الانفصال، ووصول مروجيها إلى قدم الجدار.

من المعروف أن المصاب باليأس يمكنه أن يقدم على كل الحماقات، بما في ذلك الانتحار، وآخر هذه الحالات والتصرفات، الضجيج، الذي أثارته ميليشيات البوليساريو بأحداث الكركارات…

الجميع يذكر سيل الأخبار، التي سارعت مصادر انفصالية وجزائرية إلى توزيعها ونشرها بكثافة، وضمنها أشرطة فيديو، تظهر عناصر تابعة لما يسمى بالدرك الوطني لجبهة البوليساريو، وهم يحلون بمنطقة الشريط المعبد، ومظاهر الفرحة والتباهي المتصنعة، في تحد سافر للأمم المتحدة، إضافة إلى فرنسا وإسبانيا، ولها طالبتهم بالانسحاب الفوري من المنطقة العازلة، وصعّدت جبهة البوليساريو من أعمالها “الانتحارية”، بالإعلان أن المنطقة أصبحت “محررة”، وأنها لن تغادرها رغم دعوات الانسحاب، التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، ومعه مسؤولو فرنسا وإسبانيا…

بيد أن السحر سرعان ما انقلب على الساحر، عندما علمت البوليساريو، من أعين استخبارات الجزائر، أن الأمين العام الأممي لن يتساهل مع موضوع الكركارات، ما جعلها تبادر، قبل ساعات فقط من التئام مجلس الأمن الدولي، إلى الانسحاب المفاجئ والانهزامي، بعدما بلعت كل شعاراتها الغليظة عن “الأرض المحررة”…

واليوم، مع المناورة الجديدة في جنوب إفريقيا مع السفينة المحملة بالفوسفاط المغربي، يظهر جليا أن قيادة البوليساريو مصممة على الذهاب في منحى التصعيد الانتحاري، كخيار أخير، وورقة يتيمة تلعبها، من باب الرهان على صرف الأنظار عن الاختراق الكبير، الذي حققه المغرب، بفضل عودته إلى الاتحاد الإفريقي، وبفضل سياسته الداعية إلى الخيار الحضاري باعتماد الحوار لإيجاد الحل السياسي النهائي للنزاع المفتعل، التي كانت تُوّجت، منذ سنوات، ببلورة مقترح الحكم الذاتي، وما أحرزه هذا المقترح من دعم ومساندة من طرف المجتمع الدولي، تعزز بقرارات واضحة من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، جرت إعادة التأكيد عليها وعلى صدقية المقترح بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2351 بخصوص ملف الصحراء.

في الواقع، تنامي هذه الممارسات، وتصاعد الاستفزازات، ليس غريبا على الانفصاليين، بل يمكن انتظار مزيد من الاستفزازات والإجرامات، خصوصا في هذا الوقت بالذات، الذي تتوالى فيه الضربات ضد جبهة البوليساريو وضد آمالها الانفصالية، التي تحاول التغطية عليها بالضجيج الفارغ، الذي تنفخ فيه الترسانة الإعلامية الجزائرية، في محاولة لتحريف الأنظار عن الدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي، الذي بات يضيّق الخناق على أساليبها في المناورة والعرقلة، وفي محاولة لامتصاص ما أعطته المبادرة المغربية من دفعة جديدة لدينامية التسوية…

لا يحتاج الأمر إلى كثير اجتهاد لربط التآكل الداخلي في معسكر الانفصال، ولجوئه إلى سلاح الاستفزاز والمناورة، بصلابة الموقف المغربي، وبالمخرج المشرف، المتضمن في مشروع الحكم الذاتي، كمبادرة سلمية لتسوية سياسية، من شأنها أن تنهي نزاعا مفتعلا عمّر طويلا، وتنهي مأساة إنسانية، بتأمين عودة الصحراويين المغاربة الموجودين في مخيمات تندوف إلى ديارهم وأهلهم، وتخويل منطقة الصحراء حكما ذاتيا، وانصراف بلدان المنطقة إلى بناء الاتحاد المغاربي، المعطل أساسا بسبب هذا النزاع المفتعل…

العالم، اليوم، وإفريقيا أساسا، التي كانت ساحة خصبة للتحركات التضليلية لأعداء وحدة المغرب الترابية، بات على بينة من طبيعة النزاع، وحقيقة الأطراف المتدخلة فيه، ومن يحمل إرادة الانفتاح والحوار والبحث عن تسوية نهائية وعادلة، ومن يتسلح بإرادة التوتير والتأزيم والعرقلة والهروب إلى الأمام. وهذه الإرادة الأخيرة، هي التي ظلت تهيمن وتوجه مواقف وسلوكات الجبهة الانفصالية، لعرقلة أي أفق ديمقراطي وعادل ونهائي في تسوية النزاع، مادام المتحكمون في “إرادة” البوليساريو، يعيشون أوضاعا مريحة، فهم لا يقيسون النزاع إلا بمنطق حساب الجيوب والمنافع، ولا تهمهم في شيء أوضاع البؤس واليأس والمرض والحاجة والإحباط، التي تنهك سكان المخيمات، ولا تعنيهم أوضاع مئات أطفال المخيمات دون الخمس سنوات، الذين يعانون سوء التغذية بشكل حاد أو مزمن، ولا عشرات آلاف النساء اللائي يعانين فقر الدم، ولا آلاف الأسر، التي يقتلعونها، قسرا، عن أرضهم في المغرب، ويفرقونها، عسفا، عن معانقة أهلهم وذويهم في الأقاليم الجنوبية، التي تتسع لعودتهم، وللعيش المشترك فيها مع كل المغاربة، بل وللعيش في رحاب أراضي مغربهم، المغرب الواحد الموحد، المتنوع والمتعدد، الذي يسع للجميع…

هذا هو الأفق الوحيد الذي يمكن أن يلتقي فيه الجميع، أما غير ذلك، فلن يفضي سن اليأس إلا إلى الموت البطيء والمؤكد…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->