القتل باسم القانون!

أثارت قضية الطفل عمران موجة غضب شعبي عارم، جراء الجريمة الوحشية التي تعرض لها، باغتصابه ودفنه حيا، مما دفع عددا من المغاربة إلى الدعوة إلى إنزال أشد العقوبات بالمجرم دون شفقة ولا رحمة، وبشكل خاص الدعوة إلى إعدام المجرم…

إنها “منّة” من السماء نزلت على حكومة محافظة، تُجاري مسيرة المغرب الحقوقي، فيما، في العمق، تتربص بها الدوائر، سعيا إلى إلغاء كثير من المكتسبات المحققة، وردم حقوق في طور التحقق، مثل مطلب إلغاء أحكام الإعدام…

رئيس الحكومة، ووزيره في العدل والحريات، يجدان نفسهما، اليوم، في حالة انتشاء، والجيش الإلكتروني إياه يفعل فعلته، ويذكي نيران الغضب، ويوجهها نحو المطالبة بإصدار حكم بالإعدام…

في الدولة الحديثة القائمة على مبدأ العقد الاجتماعي، كما تبلور في الفكر السياسي بأوروبا خلال القرن الثامن عشر، تنفرد مؤسسة الدولة باحتكار فعل العنف، تمارسه عند الاقتضاء، باسم المجتمع، ضد فرد أو جماعة أخلّت بمبدأ هذا التعاقد. بيد أن تحولات مسيرة التطور والدمقرطة في العالم، أفرزت بروز تنظيمات حقوقية وقوى مناهضة للإعدام، تعتبر أنه لاجدوى منه كوسيلة للردع وتقليص نسبة الإجرام، وتطالب بإلغاء هذه العقوبة.

المنحى التطوري العام، الذي يوجد فيه المغرب، كدولة ومجتمع معا، يسير في هذا الاتجاه، وتكاد تجمع عليه الحركة الحقوقية المغربية والعالمية. يقول ميشيل توب، المنسق العام للتحالف الدولي لمناهضة عقوبة الإعدام “المغرب من أكثر الدول، التي تسير في اتجاه إلغاء عقوبة الإعدام، كما أن الساحة الحقوقية والسياسية والثقافية المغربية تشهد حركة نشيطة من أجل إلغاء العقوبة”.

تقدير ميشال توب كان يستند إلى ما حققه المغرب في مجال حقوق الإنسان، بشكل عام، وإلى ما قطعه من أشواط متقدمة، مقارنة مع العديد من الدول، في النقاش الدائر حول عقوبة الإعدام، بشكل خاص، إضافة إلى تعليق تنفيذ العقوبة منذ 1993.

في السجون المغربية، يوجد نحو 150 محكوما بالإعدام. ومنذ استقلال المغرب، عام 1956 إلى حدود الآن، صدر أزيد من 200 حكم بالإعدام، فيما ظل تنفيذها محدودا جدا، لم يتعد 41 حالة، 38 منها تعود لأسباب سياسية، خلال ما عرف بسنوات الرصاص، و3 فقط تعود لجرائم الحق العام، اثنتان تتعلقان بجرائم القتل، سنة 1982، وواحدة، تخص قضية أخلاقية، سنة 1993، تتعلق بعميد الشرطة الممتاز، الذي أدين في ملفات كثيرة تتعلق باحتجاز نساء واغتصابهن في الدارالبيضاء وتصوير مشاهد الاغتصاب في عشرات أشرطة الفيديو.

منذ منتصف التسعينيات، بدأ المغرب يعرف تحولات مهمة على صعيد حقوق الإنسان، ستبلغ ذروتها في 1999، وأضحت أحكام الإعدام معلقة التنفيذ، سواء في قضايا الحق العام، وأبرزها “سفاح تارودانت”، الذي روّع البلاد باغتصاب وقتل عدد من الأطفال، أو في قضايا الإرهاب، وأبرزها اعتداءات 16 ماي 2003 بالبيضاء.

وانطلاقا من ذلك، أضحت الحركة الحقوقية المغربية والعالمية تصنف المغرب ضمن البلدان، التي تعلق تنفيذ أحكام الإعدام، وتعتبره الأقرب إلى إلغاء هذه العقوبة، خصوصا أن مطلب الإلغاء ورد ضمن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

لكن، وهنا التناقض، مازالت أحكام الإعدام تصدر كل سنة تقريبا. بل اللافت أكثر طوال عهد حكومة بن كيران المحافظة، أن هناك جرائم تقع، فتُدقّ طبول الحرب على المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام، من قبل جيش إلكتروني يعرف جيدا كيف يجيّش مشاعر الغضب ويشعل النار في أحاسيس الانفعال، ويجر معه، في غمرة الانفعالات بوحشية جرائم معينة، اليابس والأخضر من البشر، لجعلهم خلفية للدفاع وتكريس قيم التخلف والمحافظة في المجتمع… في محاولة لاستعادة جزء من تاريخنا الإسلامي، الذي شهد، في محطات مختلفة منه، إسرافا في إزهاق الأرواح، بمبررات عديدة، ومن سلم من سيف الدولة، قُتل في حروبها، التي امتدت من الجزيرة العربية، وشملت آسيا وأوروبا وإفريقيا…

واليوم، بعدما كانت أبرز منطقتين تغتالان الحق في الحياة، تتمثل، بدرجة أولا، في الولايات المتحدة، متبوعة بدول إسلامية، تغير الترتيب، لتصبح “داعش” في مقدمة منفذي هذه العقوبة، كنوع من استئصال المُعدم من الجماعة على نحو قطعي ونهائي، وهذه هي حجتهم الأساسية، أي الردع، باعتبار الإعدام يحقق أقصى قدر من الزجر والإرهاب في النفس خوفا من الموت…

والحال، أنه لم يثبت عالميا، وفي أي زمن من الأزمان، أن لعقوبة الإعدام تأثيرا رادعا في منع الجريمة في المجتمعات، وإلا لما عانت الدولة العظمى (أمريكا) من جرائم القتل والعنف بشكل مضاعف في ولاياتها التي تطبق عقوبة الإعدام…

فعقوبة الإعدام تبقى، في كل الحالات، جريمة ردا على جريمة، وهذا قد يكون من صميم سلوك الأفراد، وليس الدول، إذ يصبح الأمر أدهى وأمر، حين يجري القتل باسم القانون. قد يرتكب المجرم جريمته بدوافع انتقامية، أو تحت تأثير مخدر ما، أو لدافع آخر مثل السرقة أو غيرها، لكن السلطات، حين تنفذ الإعدام، تجد نفسها، بالفعل والقوة، أسيرة لهذه النوازع الفردية، والنتيجة تبقى واحدة، وهي إزهاق روح بشرية، أخذا بالاعتبار، أن الدعوة إلى إلغاء العقوبة ليس الغرض منها الشفقة أو الرحمة كما يسوّق الجيش الإلكتروني إياه، وليست مطالبة بالإفلات من العقاب، ولكنها مطالبة بتنقية قوانيننا المحلية من نصوص اجتهادية تتجاهل أن القانون إنما يوضع لصون الحياة وليس لإهدارها..

لا نريد لمغربنا أن يبقى ضمن البلدان “القاتلة”، التي ترتكب جريمة إلغاء حياة بشرية. نريد مغربا متقدما، خاليا من عقوبة الإعدام، وعندنا من الأطر الحقوقية والقانونية والقضائية ما يكفي من الكفاءات لسن عقوبات زجرية بديلة، والتفكير في أصل الجرائم المعنية، لإيجاد إجراءات ناجعة تحد من إعادة إنتاج تلك الجرائم.

“حقوق الإنسان هي من حق المذنب والبريء على السواء، الأفضل والأسوأ بيننا. ولهذا السبب يجب إلغاء عقوبة الإعدام في العالم”، مثلما قالت ماري روبنسون، المفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، وأكدت “إنني أكن تعاطفا مع عائلات ضحايا القتل وغيره من الجرائم الأخرى، ولكنني لا أقبل أن يكون الموت مسوغا للموت”. صدقت ماري روبنسون…