الوطن والديمقراطية وحدود الانبطاحية

الوطن والديمقراطية وحدود الانبطاحية

في أدبيات التحليل الجدلي، تُعد الأسئلة، التي يطرحها الإنسان، فردا وجماعة، خلال لحظات تاريخية معينة، أهم أحيانا من الإجابات. بالمقابل، قد يقع الانحراف في طرح الإشكالات الحقيقية، فتكون نتيجته الطبيعية السقوط في “الوعي المتأخر”، أو “الوعي الشقي”، الذي يجد نفسه منفصلا عن الواقع، وعن الشعب، وبالتالي، عن التاريخ، فالأسئلة المعطلة، أو المعطوبة، لا يمكن أن تُنتج إلا أجوبة معطوبة، زائفة، تتعدى مجرد خلافات في المنطلقات والرؤى والعقليات، إلى الانهيار الفكري والسياسي والأخلاقي.

وهذا الوضع البئيس هو الذي بات يخترق قسما من “النخبة”، ممثلة في أعداد من “أطر” حزبية وحقوقية، في مقاربتها لجدلية الوطن والديمقراطية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالنزاع المفتعل في أقاليمنا الجنوبية.

إن “الوعي الشقي” يصور لهذه “الأطر” أن “الالتقاء” مع النظام في قضية معينة، ولو أنها مصيرية، هو “انحراف” عن النضال، وسقوط في أحضان “المخزن”، وفي المحصلة، يسقط أصحاب هذا الطرح في إلغاء الطابع المصيري لقضية الوطن، التي هي أكبر من النظام نفسه، ومن هذه النخبة، العاجزة عن “التحليل الملموس للواقع الملموس”، بتعبير لينين، نتيجة انهزامية هؤلاء أمام الهجومات الشرسة لخصوم وأعداء القضية الوطنية، فتلجأ للهروب إلى الأمام، وتتخفى وراء “الشعارات الغليظة”، للتستر على حقيقتها الانبطاحية أمام قضية وطنية مصيرية.

يجب تسمية الأشياء بمسمياتها، فالمسألة لا تتعلق بتقاطع وجهات النظر وتعدد المرجعيات، فإذا كان سقف الوطن يتسع لكل الخلافات والاختلافات، فإن الوطن، بهذا المنطق نفسه، لا يقبل أن يُنسف سقفه وتُهد جدرانه، بأي ذريعة كانت، بما فيها ذريعة متطلبات النضال المجتمعي العام من أجل التقدم والدمقرطة والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إذ إن هذه المبادئ والقيم، وكل الحقوق المواطنية والإنسانية، لا يمكن أن تُكتسب وتُمارس إلا في الوطن، أي في إطار هذا الفضاء الجغرافي، والكيان السياسي والوجداني، المسمى المغرب، والجامع بين جميع المغاربة، وما عدا ذلك، لن يكون غير انبطاحية مغلفة.

لقد أثبتت مسيرة التاريخ، في عدد من تجارب النضال الديمقراطي، أن “الأطر” المهزومة تتداعى إلى الانهيار نحو التنظير للانبطاحية، فيما تنتج “القواعد” وأوسع فئات الشعب أشكالا من التعبيرات النضالية المتقدمة، في الدفاع عن قضيتها الوطنية المصيرية، وتضع تلك “الأطر” في عزلة حقيقية، وتكشف أنها، في العمق، لا علاقة لها بمشاعر وإرادة الشعب. وبالتالي، فإن الدرس السياسي الثمين والبليغ من هذا الواقع الملموس يمنع أي خلط بين الموقف من سياسات الحكومة، بل وحتى الموقف من النظام السياسي برمته، وبين الموقف من قضية تتجاوز قضية حكومة أو نظام، إلى قضية وطن وكيان، هو البيت المشترك للوجود الجماعي، المستوعب لكل الخلافات، ما عدا تلك الخلافات التي تهدّ أركانه، عندما يصاب أصحابها بعمى الألوان السياسي، ويعجزون عن التمييز بين “التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي”، بتعبير لينين، مرة أخرى، الذي يحلو الاستشهاد به لهؤلاء المبشّرين، أنبياء النخبة المنهزمة…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->