“تأهيل” حزبي بالنذالة و”التشكام” والتحريض على تزوير الانتخابات!

الديمقراطية مسيرة تربوية طويلة، تتطلب البناء اليومي على عدة جبهات، وفي مقدمتها تطوير الأحزاب السياسية لأدوات عملها، وتربية أطرها ومناضليها على التشبع بقيم الديمقراطية، عبر الإيمان العميق، وليس اللفظي، بالحق في الاختلاف، واحترام الرأي الآخر، باعتبار أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم لها قائمة من غير ديمقراطيين…

هذا السلوك الديمقراطي يتحقق عبره الإنصات، ويتأسس الحوار، وتُبنى الثقة مع الآخرين، المنتمين لهيئات أخرى أو غير منتمين، وكذا مع عموم المواطنين.

وهذا السلوك الديمقراطي، أيضا، هو الذي يؤمّن للحزب القدرة على توسيع دائرة التعبير عن مطالب الناس وانتظاراتهم، والكفاءة في إنجاز مهام الوساطة بين مناضلي الحزب وبين الناس ومؤسسات المجتمعين المدني والسياسي، والطاقة على النهوض بالمهام المنوطة به في مجالات التأطير والتعبئة والتربية على قيم الحوار، والتسامح، والاجتهاد، والنضال من أجل تحقيق الأهداف السياسية للحزب، والإبداع في التعبير عن برامجه والدفاع عن مشاريعه وخططه، في شتى مناحي الحياة العامة وحتى الخاصة، الشيء الذي ينعكس إيجابيا على عموم الحقل السياسي، وعلى عمليات الدمقرطة برمتها…

ولذلك، نعتقد أن من أبراز أعطاب الحقل السياسي المغربي، هو إلغاء الأحزاب لمسألة تأهيل المنتمين إليها، ولا يقع الانتباه إلى أنه يستحيل تحقيق نقلة نوعية في عملية التأهيل الحزبي، إذا كانت هذه الأحزاب منخورة بوجود قياديين على رأسها ومناضلين في صفوفها، يتصرفون بعقليات تقليدية محافظة، ويقدّمون صورة ملوثة عن الحزب والممارسة الحزبية عموما، مما يزيد من تفاقم مظاهر النفور والعزوف عن السياسة والسياسيين.

ولذلك، ليس غريبا أن نجد مثل هذه الأحزاب تضم في صفوفها قياديين ومناضلين مصابين بكل الأمراض، والأعراض، والأعطاب، التي تدعي هذه التشكيلات محاربتها في الدولة والمجتمع، فتجد فيهم مسؤولين فاسدين وانتهازيين يسخّرون مواقعهم ونفوذهم للسطو على أراضي الناس وعلى منافع شتى، كما تجد فيهم “مقدمية” و”شيوخ” و”بركاكة” ومتعيشين بالكولسة والتآمر، لا ينظرون للآخر إلا من زاوية المؤامرة، كل شيء يفسرونه بالمؤامرة، ويتحركون في الزوايا المعتمة، ويجلدون المنافسين داخل حزبهم، مثلما يفعلون مع من لا ينتمي إلى “زاويتهم”، بالنميمة والتقولات وافتعال واصطناع الحكايات، يغلفونها بكل أساليب الإقناع، حتى لا تنفضح صورهم كأنذال يحترفون ضربات الخلف وتحت الحزام، ولعل أبرز وأقرب مثال ما فعله ذلك الإسلامي المسؤول الحزبي والجماعي، الذي هدد الدولة إما تأمين، يعني تزوير، نجاح حزبه في الانتخابات، وإما الثورة، وما إن “حمّروا” فيه العين، حتى تحوّل من “سبع” إلى مجرد “شكّام”، يبعد عنه “التهمة” بإلصاقها في آخرين، من يساريين يحلمون بالثورة (في إشارة إلى النهج الديمقراطي)، ومن إسلاميين يحلمون بالقومة (في إشارة إلى العدل والإحسان).

غياب  مسألة “أخلاقيات الممارسة السياسية”، تجعل الحزب ينفضح، بالتدريج، أمام الشعب، فتبتعد عنه الجماهير، وتتفكه حوله وتحبك النكت للضحك عليه وعلى بعض قادته وقاعدييه، خصوصا عندما يظهرون للعموم أنهم مجرد تجار دين، مثلما فعل “الشيخ سار” التكفيري الظلامي، الذي اعتبر التصويت على رمز الجرار “جريمة نكراء في حق الدين”…

صحيح أن الأحزاب هي نتيجة تركيبة سياسية وثقافية محددة، لكن صحيح، أيضا وأساسا، أن كل عمليات التأهيل الديمقراطي، التي يمكن أن تتبلور داخل هذه الأحزاب، لا يمكن أن تأخذ كل أبعادها وتحقق كل نتائجها، إذا كان حاملو المشروع الحزبي غير مؤهلين وغير ديمقراطيين يسكنهم فكر المؤامرة، وتخترقهم قيم التقليد والمحافظة، ويشكلون عرقلة كبرى أمام الانخراط في مشروع التجديد والتطوير، وإحداث قطيعة مع تراث ثقيل من الممارسات السلبية، مما يجعلهم يشكلون خطرا محدقا على الديمقراطية، بل وعلى البلاد برمتها…

التأهيل المنشود، يفترض أن يكون شاملا، يمس أخلاقيات المناضل الحزبي، مثلما يهتم بالتنظيم والتأطير والهيكلة والدمقرطة داخل الحزب، ليجسد، بصفة عملية، مدرسة حقيقية للوطنية والمواطنة، وأداة مثلى لتربية المواطن على حس المسؤولية، والمشاركة في الشأن العام، وممارسة العمل السياسي في بعده الإيجابي النبيل، وأساسا التربية على القبول بالآخر وبالرأي المخالف وبالتنوع والتعدد… إذ في غياب ذلك، يتحول الحزب إلى زاوية، وتصبح أطره وقواعده أسيرة القنوات التقليدية، القائمة على روابط الثقافة الرجعية والمصالح الشخصية والفئوية، وعلاقات الشيخ والمريد، وفكر التخوين والمؤامرة، والابتزاز والتهديد، فتبرز العقليات الفاشية والدكتاتورية، وتظهر إرادة المحو والإقصاء، وتتضخم الذات وتنحرف المواقف والسلوكات، وتستحلي الكرسي والسلطة، فتطلب من الدولة ممارسة التزوير ليبقى الحزب إياه في الكرسي، وتبدأ التهديدات، من تهديد المخالفين بالقتل، إلى تهديد الدولة والمجتمع بالفوضى واللاإستقرار، وصولا إلى الزعم أن عدم الفوز في الانتخابات سيجعل “الملكية في مواجهة مع الشارع”، مثلما هو وارد في الموقع الإلكتروني للحزب إياه…

ملحوظة: أي تشابه لهذا التوصيف مع حزب يقود الحكومة فليس بالضرورة من باب الصدفة…