بنكيران.. إن كنت ناسي أفكرك!

أصبحت خطابات الإقصاء تتواتر لدى البيجيديين، من مختلف المواقع، وكأنهم يؤدون أدوارا معلومة ومرسومة، من يتكلم في موقع الحزب الرسمي، ومن يكتب في جريدة الحزب “الغير مسجلة”، ومن يهدد ومن يلوح بالفوضى والدمار، ما يكشف حقيقة نزعة الاستئصال الثاوية لدى هؤلاء، وهذه مسألة غير جديدة، فهي مرتبطة بهم من البداية، من الأصل، وبين الحين والآخر تجد تصريفها بهذا الشكل أو ذاك، أستحضر هنا حادثا وقع قبل ست سنوات، يهم الأمين العام للعدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران…

في كلمته، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحركة الشعبية، سنة 2010، اختصر بن كيران “الأحزاب ذات الشرعية التاريخية والشعبية” في أربع تشكيلات، حددها في أحزاب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، وأضاف إليها حزبه، العدالة والتنمية.

تعرض هذا الموقف لعاصفة من الردود الحزبية، آنذاك، وأصدرت عدة أحزاب بيانات تشجب “نزعة الاستئصال والإقصاء”، و”العودة إلى رؤية الهيمنة البائدة”.

كان حكم بن كيران على الأحزاب بمقياس الشرعية التاريخية متهافتا من أساسه، فهو حكم لا يتوفر على أي قيمة علمية أو أكاديمية، بقدر ما هو موقف سياسي، وهذا قد يكون من صميم حقوقه الديمقراطية، رغم أن موقفه يحمل تعسفا بينا، بمنطقه نفسه، لفائدة حزبه، وضد حزب التقدم والاشتراكية، مثلا. فقد نسب إلى تنظيمه إرثا حركيا اعتمادا، فقط، على الرصيد الشخصي للراحل عبد الكريم الخطيب، الذي انشق عن الحركة الشعبية، في منتصف ستينيات القرن الماضي، وأسس حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، الذي لم يتبق منه إلا الهيكل، عندما اقتضت “الترتيبات” السياسية، في مطلع تسعينيات القرن نفسه، أن يشكل وعاء لتيار من الإسلام السياسي، وليد السبعينيات نفسها، من أجل العمل في العلن، وفق مخطط أشرف عليه وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، الذي كان يتعامل ويستعمل عددا من قادة هذا التيار، الذي شكل ظهوره، في الأصل، ورعايته، واحدة من أمراض دولة الغبار والرصاص، الذي استعملته لضرب اليسار عموما، خصوصا في الجامعات، التي كانت تحولت إلى قلاع لليسار الجذري.

بالمقابل، أسقط بن كيران من خانة الشرعية التاريخية حزب التقدم والاشتراكية، وريث الحزب الشيوعي المغربي، الذي يعود تأسيسه إلى أربعينيات القرن الماضي، وساهم في مقاومة الاستعمار، وفي النضال من أجل الديمقراطية.

أذكر أنني خرجت عن “الجوقة”، ودافعت عن بن كيران، واعتبرت ما عبر عنه يبقى في كل الأحوال، موقفا سياسيا، قابلا للجدل وللاختلاف، لكنه لم يرتكب “جرما”، حتى تتوجه إليه سهام النقد من كل حدب وصوب…

في الواقع، لم أفهم عمق قولة بن كيران، كنت على “نياتي”، إذ تعاملت فقط مع منطوقها، في حين كانت أبعادها تكشف عن توجه استئصالي، لا يؤمن بالتعددية، ويريد تشطيب الآخرين من الساحة!

التعددية السياسية، مثلما حددها الراحل محمد عابد الجابري، هي مظهر من مظاهر الحداثة السياسية، ويقصد بها الجابري وجود مجال اجتماعي وفكري، يمارس الناس فيه “الحرب” بواسطة السياسة، أي بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي، التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطى المتنامية… والتعددية هي وجود صوت، أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم.

من هذه الزاوية، نعتقد أن مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية تتنافى مع الممارسات الرامية إلى تحويل “الحرب” السياسية إلى حرب حقيقية، وهي التي تصبح محكومة بنزعة الإقصاء والإلغاء والاستئصال، التي أضحى حزب العدالة والتنمية يعبر عنها، اليوم، عن طريق أطره وقواعده، إلى درجة التلويح بالفوضى والدمار والقتل…

“حرب” السياسة، هي ممارسة الفرد أو الجماعة للحق في التعايش، والتعبير عن الرأي، والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في المجتمع.

“حرب” السياسة تتطلب منا الكثير من العمل والتعلم، لنمارس، قولا وفعلا، الاعتراف بوجود تنوع في المجتمع، واحترام هذا التنوع، وقبول ما يترتب عليه من خلاف أو اختلاف في العقائد، والألسنة، والمصالح، وأنماط الحياة، والاهتمامات والأولويات…

وغير هذا، قد يتحول الأمر إلى “سياسة الحرب”، بما تعنيه وتتضمنه من تضخيم للذات، وإقصاء للآخر… وإرادة للاستئصال لا مجال لها في مغرب اليوم والغد.