من فتاة بنجرير.. إلى أبو الجحيم

يطل على المشاهدين من أحدث فيديوهاته، ملامحه شيطانية، يركز نظرات ملعونة في الكاميرا كنوع من الإحماء للذات ومن التهييء للآخرين، ثم ينطلق في نفث سمومه على الناس، يكفّر ويلعن ويشتم بأقذع الكلمات والعبارات.. من قبيل: “التيجيني البيدق الصهيوني، اللي باغي يفرض علينا (اليهود) إخوة القردة والخنازير، أخسّ خلق الله”، واتهم جريدة “الأحداث المغربية” بـ”الكفر والإلحاد والزندقة”، و”دوزيم وميدي 1 صهيونيتين”، واتهم الحقوقيين ب”البخوش والحشرات، مخنثون مؤنثون لوطيون، ديوثيون”، و”عصيد حشرة نجسة”، و”لشكر خنزير”، و”لكحل كلب”… إنه أبو الجحيم…

لم يكن مفاجئا البتة أن يطل هذا المدعو عبد الحميد أبو النعيم، مجددا، بتهديداته وشتائمه، التي تنضح بخطابات التكفير والفتنة والتحريض وهدر الدماء.. ليس مفاجئا ولا غريبا لسببين: الأول، مادامت تبرز على الساحة أصوات حقوقية تدافع عنهم، إما عن قناعة مهزوزة أو عن جبن لاتقاء شرورهم، مما يساهم في تغذية إمعانهم في التحريض ونشر الكراهية.
والثاني، وهو سبب جوهري، يتمثل في التراخي القانوني والقضائي، الذي قد تكون له تبعات خطيرة جدا، قد تدفع بعض الناشطين الحقوقيين المناضلين إلى إجراء وقفة حازمة مع فئة من القضاة وأحكام القضاء، لوضعهم في قفص الاتهام كأحد عوامل التحريض على الإجرام…

لا يجب أن ننكر أن التراخي القضائي في قضية “فتاة بنجرير” مثلا هو الذي أدى إلى انتحار هذه الضحية حرقا، إذ إن تعامل القضاء مع المتورطين في اغتصاب الضحية، بإطلاق سراحهم، شكّل، باعتراف تنظيمات نسائية حقوقية، تشجيعا صريحا على التمادي في ارتكاب الجرائم ذات الدافع الجنسي في حق النساء، وإعمالا واضحا لسياسة الإفلات من العقاب…

هذا التراخي القضائي سنجده أيضا، بصورة دراماتيكية، في قضية أبو الجحيم، فالجميع يتذكر خرجته التكفيرية الأولى للتحريض ضد عدة شخصيات مغربية فكرية وسياسية، اتهمها بالكفر والإلحاد، ووصلت القضية إلى القضاء، الذي أصدر، في بداية سنة 2014، حكما أظهر أن بلادنا، تعيش حالة تراخ وتردد، بل وحتى نوع من التواطؤ، تجاه جريمة التكفير، بفعل هيمنة الفكر الإخواني على عدد من أجهزة الحكومة.

الحكم الذي صدر في حق أبو الجحيم هو شهر واحد حبسا موقوف التنفيذ الحبس وغرامة مالية قدرها 500 درهم.
من الطبيعي أن يشكل هذا الراخي حافزا للمدعو أبو النعيم، على مواصلة التطاول على الناس، بخطابات التطرف والتكفير ومصادرة حريات وحقوق الآخرين في التعبير. وإذا كان هذا الحكم شكل محط انتقاد وتحذير من خطورة تبعاته على حقوق الناس وفي مقدمتها تهديد الحق في الحياة، بإجماع سياسيين وحقوقيين مناضلين، فلم يكن صدفة، أن يحتفي به شخص هو منتوج لهذا الفكر التكفيري الظلامي، هو البرلماني عبد العالي حامي الدين، الذي مازالت تطارده دماء رفيقنا الشهيد بنعيسى أيت الجيد، إذ اعتبر هذا الحكم ذكيا، وأكد بلغة مناورة تماثل مناورات الظلاميين أن الحكم “لا يشجع وقوع ما حدث (التكفير) مستقبلا”…
لكن الحكم شكل حافزا لأبو الجحيم، ولتكفيريين آخرين، بمن فيهم أعضاء قياديين في حركة التوحيد والإصلاح، الحاضنة الوصية والموجهة لحزب العدالة والتنمية، على الخروج بفيديوهات تكفّر وتحرض على العنف ضد شخصيات ومؤسسات سياسية ومدنية، وتهدد حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، وتورط المساجد ودور العبادة في التوظيف السياسوي، في ضرب صريح وممنهج لكل قيم الاعتدال والتسامح…

واللافت أن أصحاب هذه الخطابات التكفيرية، الذين كانوا يختبئون في جحورهم، وينفثون سمومهم في الظلام، سيخرجون إلى العلن، عقب ما سمي بـ”الربيع العربي”، مباشرة بعد سطو جماعات الإخوان المسلمين على الثورات، وتحويل بلدانها إلى مسرح لكل أشكل الفوضى والقتل والاضطرابات، وبدأوا في المغرب يخرجون تباعا، مستظلين بحكومة بن كيران، التي لم يكن صدفة أن تظهر في عهدها هذه الموجة من التكفير ومن التكفيريين، الذين لا يعتبر أبو الجحيم إلا واحدا منهم…
ودعونا نطرح السؤال: إذا كان وزير العدل والحريات هرول مسرعا ليدبج احتجاجا مثيرا على الفايسبوك، دفاعا عن حزبه ورئيسه، وليحرك قاضي الإرهاب للتحقيق مع المدونة العشرينية زينب بنموسى، لماذا لم يحرك ساكنا، إلى اليوم، أمام التكفيري أبو الجحيم وهو ينفث عنفا لفظيا خطيرا، يحبل بكل معاني التطرف والتكفير والتحريض، ويغذي كل أسباب تهديد السلم المدني والاستقرار الأمني للبلاد؟! لكن السؤال الأكبر هو: من يرعى ويغطي على هذا التكفيري وغيره؟!

الجواب في أحدث فيديو أصدره أبو الجحيم، بداية الأسبوع الجاري، وهو يمضي فيه على خطى رئيسه ومرشده عبد الإله بن كيران، ويردد معه فتوى ابن تيمية: “جنتي في قلبي، نفيي سياحة، وسجني خلوة، وقتلي شهادة”!!!

إننا ندق ناقوس الخطر قبل أن “يقع الفاس على الراس”…