معركة الوطن.. الاستئصال والاستقرار

معركة الوطن.. الاستئصال والاستقرار

يحكى أن ثلاثة عميان دخلوا غرفة بها فيل.. وطُلِبَ منهم أن يكتشفوا ما هو الفيل، ويقدموا وصفا له. شرع الثلاثة في تحسس الفيل، ثم خرجوا ليبدأوا في الوصف. قال الأول: الفيل هو أربعة عمدان على الأرض. وقال الثاني: الفيل يشبه الثعبان. وقال الثالث: الفيل يشبه المكنسة!

وحين وجدوا أنهم مختلفون، بدأوا في الشجار، وتمسك كل واحد برأيه، وراحوا يتجادلون ويتهم كل منهم الآخر بالكذب والادعاء والافتراء.

يمكن أن نلاحظ، بسرعة، أن الأول أمسك بأرجل الفيل، والثاني بخرطومه، والثالث بذيله، وكل منهم كان يعتمد على برمجته وتجاربه السابقة… لكن السؤال الجوهري هو: هل التفت كل واحد إلى تجارب الآخرين؟!

بالتأكيد لا، وهذه بالذات هي واحدة من أهم حالات ومميزات حاملي الفكر الاستئصالي، إذ مهما تمظهروا بتبنيهم للديمقراطية، واحترامهم لمبادئ وأسس الممارسة الديمقراطية، سرعان ما يظهرون على حقيقتهم في أول امتحان، إذ يتمترسون في أحكامهم المسبقة، وفي مراميهم الاستئصالية، التي تعكسها مواقفهم السياسية، التي لا تأخذ بالاعتبار تجارب وتقييمات الآخرين، تماما مثل العميان والفيل، فأحيانا تجهلها كل الجهل، أو لا تتوفر لديها عنها إلا معرفة هشة وسطحية، في أحسن الأحوال، ومع ذلك، لا تتردد في وضع الآخرين في قفص الاتهام.

الذات، عند هذه الفئة، لا يأتيها الباطل لا من اليمين ولا الشمال، الذات تنطلق من امتلاك “الحقيقة المطلقة”، رغم التغليفات والتزويقات على “نسبية” مزعومة، الذات دائما هي “الزوينة”، والآخرون هم الجحيم، هم أسباب كل فشالات الذات، هم وراء التأخر، هم الذين “باعوا الماتش”، هم وراء كل البلاوي، بصيغة عادل إمام في مسرحية “الزعيم”، هم سبب التخلف والغلاء والفيضانات والتعسف والشطط وعرقلة الإصلاح السياسي والدستوري والحفر في الشوارع وانقطاع الماء والكهرباء وتجميد الأجور والبطالة والرشوة والفساد والتزوير والأتربة والغبار وحوادث السير والظلم والمخدرات…

وبكلمة: هم “الكفار”!! وهذا هو جوهر القضية المسكوت عنه.

هذا المنطق في العمل السياسي المختل، نجده، مثلا، لدى القيادي الإخواني، مثلما نجده لدى المناضل في القواعد، ما يعني أن الجماعة، التي تتغطى وراء الحزب، لا قدرة لها ولا إرادة على التكوين والتأطير والتثقيف خارج تكفيرات ابن تيمية و”إرشادات” حسن البنا وسيد قطب وشطحات القرضاوي، ولا طاقة لها ولا أدنى رغبة على إشاعة قيم التخليق والروح الديمقراطية داخل صفوفها، إذ تترك المريدين المنتمين إليها مجردين من كل أسباب التحصين الذاتي أمام رياح التطرف الهوجاء، ليس في أدمغتهم إلا التخوين والتكفير، فهؤلاء ينتمون إلى الماضي، منهم من يقص الشارب ويعفو عن اللحية، ومنهم من لا يفعل ذلك، فيما كلهم يستعمل أدوات وممكنات وابتكارات “الكفار”، القادمة من الغرب “الكافر”…

تحضرني، هنا، افتتاحية إلياس العماري، الأمين العام للبام، التي وقف فيها عند “ظروف اللحظة التاريخية الكونية وتحدياتها”، ليدعو إلى “مصالحة تاريخية شجاعة”، يعتبر أنه بدونها “لا يمكن أن نواجه زحف النزوعات نحو التعصب والتنافر والاستعداء”…

ما إن نُشرت الافتتاحية، في موقع البام، وأخذها منه موقع هسبريس، حتى تداولتها المواقع، والأقلام، والتأويلات، وأغلبها لم تضع أدنى مسافة مع اجتهاد غير مألوف لأمين عام حزبي، يكتب، وأعرف هوسه بالكتابة منذ أزيد من عقدين ونصف، حين كان يجوب شوارع الرباط، يؤطر نقاشات اليسار، يراود المداخل الممكنة للوحدة ولبناء الذات، ويشارك في الاحتجاجات، وجمعتنا لجنة التضامن مع المناضل الحقوقي المعتقل آنذاك أحمد البلعيشي… بسرعة، نسي البعض أو تناسى، أو بالأحرى ألغى تراكمات وتاريخ شخص من أجل “النزول” عليه، في إعدام مدبر، عن سابق تصميم وترصد، لأي إرادة على الحوار السياسي، ولا النقاش الفكري، مقابل هيمنة واضحة للمنطلقات الاستئصالية الثاوية في نفوس البعض… وهذه الوضعية بالذات، هي التي جاء المقال الافتتاحي للتنبيه إليها، سعيا إلى أن نورّث لأبنائنا وطنا يسع للجميع، دون تعصب ولا تطرف، في ظل الأمن والأمان والاطمئنان والاستقرار…

وهذا الهدف هو الأفق الذي يفرض أن تلتف حوله كل القوى المؤمنة، قولا وفعلا، بالديمقراطية، والتي تنتظرها كثير من التحديات المصيرية لربح رهانات معركة الوطن في الوحدة والدمقرطة والكرامة والإنصاف والعدالة والمساواة، أما الاستئصال فمآله إلى زوال…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->