الاستوزار يجبّ ما قبله

الاستوزار يجبّ ما قبله

سقطت آخر جدران الحياء

وفرحنا ورقصنا..

وتباكينا بتوقيع سلام الجبناء

لم يعد يرعبنا شيء

فقد يبست فينا عروق الكبرياء

ودخلنا في زمان الهرولة

ووقفنا بالطوابير كأغنام أمام المقصلة

هذه المقاطع مأخوذة بتصرف من القصيدة الملحمة للشاعر السوري نزار قباني، بعنوان “المهرولون”، جادت بها قريحته الخالدة عقب توقيع اتفاق أوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

تحضرني هذه القصيدة، مع أنه لا قياس مع وجود الفارق كما قالت العرب قديما، وأنا أتابع أحداث المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات السابع من أكتوبر، وبعد أن أصبح، في لمح البصر، بيت رئيس الحكومة المكلف يعجّ بالغادين والرائحين، في الليل وفي النهار، بقادة جل الأحزاب، قصد التشاور لتشكيل الحكومة، فهذا زمان الأحلاف تُعقد وتُعلن، لا حدود الآن بين المؤيد والمعارض والمهادن، وبين الداخل والخارج، وبين السر والعلن. وذاكرة حبلى بالصراع والشتائم والسباب وأحابيل الخداع والمساومة تجثم على فضاء المشاورات، لا تكسرها إلا ابتسامات وضحكات المجاملة، ولا يغطيها إلا فنون قول المتشاورين واقتضاءات الذوق العام، التي أملتها هذه الحقبة من زمننا السياسي، ونحن نعلم سماتها وفضاءها وبما أسفرت عنه نتائج الاقتراع الأخير.

بعض قادة هذه الأحزاب صار ينظر إلى حزب العدالة والتنمية بحنين العاشق، خصوصا الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي جمع المجلس الوطني، أول أمس السبت، في دورة استثنائية قصد استصدار موقف يضفي شرعية على قرار حُسم من قبل، يصبو إلى الحكومة، ويروق لرئيسها المكلف، ويشفي غليله. فتم تأثيث الخطابات بالكلمات المحرضة على نتائج الانتخابات وعدم حياد الإدارة وإدانة لـ”التحكم”، وكأن حزب الاستقلال لم تعد له بضاعة فكرية وسياسية ليشرعن  بها موقفه وتموقعه.

فمتى كانت صيانة الإرث الفكري للزعيم الوطني علال الفاسي تتم بخرقه طولا وعرضا، وبكيل النعوت المشينة إلى الأحزاب المغربية، بغية الحصول على تأشيرة الحكومة وتبرير إخفاق انتخابي، وسوء التدبير الحزبي، الذي شكل ثقبا ملائما لتسرب كاد أن يغرق.

إن الهزيمة والتقهقر الانتخابي ليس دائما نتيجة مصدرها خارجي أو منافسة غير متوازنة، فقد تكون أيضا صناعة حزبية داخلية بامتياز.

لقد كان لافتا أن يعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال، خلال كلمته أمام المجلس الوطني لحزبه، أن يوم سابع أكتوبر الماضي مشؤوم وهو نكسة للديمقراطية الفتية… كاد هذا اليوم أن ينتقل بنا إلى مشهد كارثي تهيمن عليه سلطة الحزب… وسيظل رقم 102، يضيف الأمين العام لحزب الاستقلال، وصمة عار في جبين الانتخابات المغربية، في إشارة إلى عدد المقاعد التي حصل عليها حزب الأصالة والمعاصرة.

ماذا تُبيّن هذه الحالة، التي وصلت إليها السياسة في بلادنا، سوى أننا لم ننجح حتى الآن في الوصول إلى خطاب سياسي يتوفر فيه شرطان أساسيان، أن يكون حيا وصادقا.

ويبدو أنه ليس في وسعنا مع الأسف أن نقاطع هذه الصورة، التي التصقت ببعض الأحزاب، أو أن نعبر أو نكسر حدود الدوائر والخلفيات، التي تهيمن عليها.

من حق رئيس الحكومة المكلف أن يفتح مفاوضاته مع من يشاء من الفاعلين السياسيين الراغبين في ذلك، فهذا جزء من المنهجية الديمقراطية التي نسعى جميعا إلى ترسيخها، ومن حق الأحزاب المدعوة للتشاور أن تتخذ المواقف والقرارات التي تبدو لها ملائمة، فالمبدأ أن الأحزاب سيدة قراراتها، ولكن من الصعب أن يقبل المرء أن المثل العليا التي طالما دافع عنها حزب الاستقلال تقدم قربانا لأجل الانضمام إلى الحكومة، وليس من أجل الارتقاء إلى قيم أعلى ومجتمع أفضل.

لقد كان من المفروض أن تخلق الانتخابات التشريعية التي شهدنا بسياقاتها ونتائجها، لدى جميع الأحزاب، وعيا كاشفا نحو إدراك ذاتنا الوطنية، كمنطلق لتقييم موضوعي لواقع كل حزب وماهيته وما أصبح عليه، ولكن أساسا، كان مفروضا أن نتساءل: لماذا قاطع أكثر من نصف الناخبين المسجلين هذه الانتخابات، وماذا تعني أصلا أصوات الناخبين المصوتين مقابل المقاعد البرلمانية المحصل عليها، على ضوء تحديد رؤية مستشرفة لوطن يتسع للجميع، وتحديد ما ينفع وما لا ينفع الناس في هذه الرقعة الجغرافية التي هي المغرب، وعلى ضوء التراكم السياسي الذي شهدته بلادنا في درب بنائها الديمقراطي، بما يستوعب كل المحطات بتفاصيلها الدقيقة نحو هدف وطني وإنساني.

هذه نظرة قد لا تجد من يؤازرها في الخطاب السياسي الحزبي في بلادنا، الذي يصر على رسم وصناعة الخصم قبل الإعلان عن برنامج الحزب ومشروعه الوطني. فلا يكمن العيب في حداثة عمر الأحزاب ولا قصر تاريخها، أو “وفودها الجديد”، ولكن العيب في خيانتها لتاريخها.

ولأنه من المستحيل في هذا المقال المحدود أن نقدم رصدا تفصيليا لمسيرة كل حزب على حدة، وعلى مدى مختلف مراحل تجربتنا الديمقراطية، بإنجازاته وإخفاقاته المتضاربة وتقلباته، سنترك ذلك للتاريخ الكشاف، فالحكم متروك إليه في النهاية.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->