تهييج وتغاض عن شيوخ التطرف والتكفير

تهييج وتغاض عن شيوخ التطرف والتكفير

خلال محاكمة قاتل الكاتب الشهيد فرج فودة، سأله القاضي: “لماذا اغتلت فرج فودة؟”. فأجاب القاتل: “لأنه كافر”. القاضي: “ومن أي من كتبه عرفت أنه كافر؟”. القاتل: “أنا لم أقرأ كتبه”. القاضي: “كيف؟”. القاتل: “أنا لا أقرأ ولا أكتب”!!!

تكاد هذه الواقعة الدراماتيكية تلخص ما يجري حاليا من تهييج من قبل كتائب البيجيدي والسلفيين ضد الزميل عبد الكريم القمش وضد جريدة “آخر ساعة”. وأبصم بالعشرة على أنه ولا واحد من هؤلاء المهيَّجين قرأ ما كتب القمش ونشرته الجريدة، إذ لو قرأوا النص كاملا، وهنا قمة السخرية، سيجدون أن القمش كان يدافع عن الإسلام، ورسول الإسلام، من كل ما يسيء لصورته، التي يرى القمش أنها أسمى مما تقدمه عدد من الروايات الواردة في الصحاحات، وقدّم أمثلة عنها بأرقامها ومصادرها، وطالب بمراجعة التراث، وتنقيته من هذه الروايات المسيئة للرسول…

المفجع أكثر في العملية، أنه حتى بعض الزملاء وبعض الباحثين ممن يفترض فيهم، كنخبة، تتملك أدوات البحث والتمحيص والتحليل، انطلت عليهم التضليلات والتهييجات، فألغوا العقل، واعتمدوا النقل، مما يشكل حالة مزمنة تكشف حدود وطبيعة بعض من وجوه النخبة في بلادنا.

هذا وجه أول من العملة. هناك أيضا وجه ثان، يطرح، أخذا بالاعتبار الوجه الأول، عدة أسئلة جوهرية: لماذا يتعثر المشروع الديمقراطي الحداثي، ولماذا يتراجع حاملو هذا المشروع، هل لعدم جدارته، أم لتراجع الإيمان به والقناعة بجدواه؟ أم لعلة أخرى؟

أجزم أن العلة هي، في جزء كبير منها، موجودة في عدد من حاملي هذا المشروع، الذين لا طاقة لهم على الدفاع عنه، ولا النضال من أجله، إما بسبب هشاشتهم وانتهازيتهم، وإما بسبب جبنهم ورعبهم من تهديدات التكفيريين، وهذا ما فهمه جيدا بن كيران، ومعه كتائبه الإلكترونية، عندما أطلقوا تهديداتهم ضد المجتمع، وضد البلاد، وأتت تهديداتهم أُكلها، حتى خرج المرعوبون يتمسحون بالأعتاب، ويبعثون إشارات المسكنة والانبطاح، معتبرين حصول العدالة والتنمية على الأغلبية محطة تأسيسية للديمقراطية، وانتصارا للدمقرطة على المخزنة!!

ولهذا السبب، وعودة إلى موضوعنا، نجد أنه، في حالات تعرض مثقفين وسياسيين وإعلاميين للتكفير والتحريض على قتلهم، فإن أعدادا مهمة من الناشطين المدنيين، بمن فيهم من لا يكف عن إثارة الضجيج في مواقع التواصل الاجتماعي، “كيدخلوا لجواهم”، ويُترك الضحايا لأقدارهم، في مواجهة التكفيريين دعاة الحقد والكراهية والتطرف والعنف…

إن الخطر، هنا، ليس من المتطرفين، لأنهم دائما قلة داخل مجتمعاتهم.. ولكن الخطر الأكبر ممن يتفرجون عليهم بصمت، ومن المرعوبين الذين يُغطّون على جبنهم بوضع اليد في أيديهم، ويفسحون لهم المجال للتنامي والتكاثر، وللسيطرة على مجتمعاتهم… ثم يندمون على صمتهم، وعلى جبنهم، لأنه “مللي كتجي الدقة ديال هؤلاء ما كيقيلوا حد”… لسبب بسيط أن هؤلاء لا يقبلون المخالفين، هم استئصاليون بالطبيعة، وحتى إذا أظهرت أطرهم بعض المراعاة النفعية، فمجنّدوهم لا يراعون ولا يميزون، لأنهم في العمق يخشون الوعي والمعرفة، وإعمال العقل والفكر، ولذلك لا يقبلون أبدا الخلاف، ولا يتحمّلون المخالفين، وينأون عن التفكير، حتى يبقوا منسجمين مع شحنات التخوين والتكفير…

وهذه بالذات هي مدرسة الإخوان المسلمين.. وها هي علاماتها تظهر في التهييجات ضد القمش و”آخر ساعة”.. وعندما كنا نحذر من هذه المدرسة، ومن أنها حاضنة للتطرف والعنف، كان بعضهم يسخر، ويسمي التحذير استعداء على إسلاميين معتدلين بعيدين كل البعد عن التكفير…

تحضرني، هنا، حالتان من التجربة المصرية: الأولى تتعلق بالمفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، الذي تلظى بكل المحن من تكفيرات الخوانجية، وأهّلته التجربة ليؤكد أن “الفروق بين المعتدلين والمتطرفين في تيار الإسلام السياسي هي في الدرجة وليس في النوع”.. والثانية، تتعلق بتولي الإخوان المسلمين الحكم في مصر، عقب السطو على ثورة 25 يناير، إذ اتخذ الرئيس المعزول محمد مرسي جملة من القرارات، في مقدمتها الإفراج عن أعضاء الجماعات الإسلامية المتهمين في قضايا قتل واغتيالات، وضمنهم الإفراج عن قاتل المفكر الشهيد فرج فودة…

ولعل هذا هو ما يجري عندنا، مع الفارق طبعا، في التفاصيل وليس في الجوهر طبعا، ففي عهد حكومة الإخوان المسلمين بالمغرب، بدأت عملية قتل مدبرة متدرجة للمشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، عبر تمرير عدد من النصوص القانونية الرجعية، وبدأ التكفيريون يظهرون في واضحة النهار، ويصدرون فتاوى التكفير والتحريض على ناشطين مدنيين وحقوقيين وسياسيين وكتاب رأي وفنانين، في ظل صمت مطبق للحكومة، ولوزيرها في العدل والحريات، إلى درجة أن هذا الوضع جعل حركة “ضمير”، في بيانها الأخير، الذي توصلنا به مساء أول أمس الأحد، تشعر بمستوى عال من القلق تجاه التجميد المتكرر للشكايات الموضوعة أمام الحكومة، ودوافع تغاضيها، الذي لا يمكن تفسيره، بالنسبة للحركة ولعموم الديمقراطيين، إلا من قبيل الحماية لشيوخ التطرف والتكفير…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->