حول الزيارة الملكية لدول إفريقيا الشرقية.. وصدى الانتماء الإفريقي

إذا كانت الأسس المادية ضرورية لتحقيق التعاون بين الشعوب، فإن الحوافز الروحية والثقافية قادرة على تمكين هذا التعاون بينها من أنبل القيم السامية وأشرفها في بلوغ المقاصد والغايات الإنسانية للتضامن والتآزر.

المغرب، من جانبه، كان دائما، وهو يأسس لعلاقاته مع محيطه الخارجي، يتناغم مع هذا الطرح ويستجيب له، سواء على المستوى الإقليمي أو القاري أو القومي أو الدولي، وفي أبهى تجاليات القيم الرفيعة التي ميزت حضارة المغاربة الأصيلة المنفتحة على باقي الحضارات والشعوب.

لهذا، فإن نسج العلاقات الخارجية في إطار الدبلوماسية الواقعية، التي تؤمن بهذه الخصوصية، لابد له أن يترك التأثير الإيجابي لكل هذه العوامل على حركية التعاون ونجاعته، وعلى مسيرة تاريخ الشعوب المعنية به.

مناسبة هذا الحديث، هي الزيارة التي يقوم بها جلالة الملك لثلاثة بلدان في إفريقيا الشرقية، رواندا وتانزانيا وإثيوبيا، وما خلفته من أصداء إيجابية على المستوى الدولي والوطني، كما شهدت اهتماما واضحا لدى عدد من الدول والمهتمين، وهو الاهتمام الذي لم يكن معدوما في السابق، إلا أنه اليوم يشهد على هذا الحرص المغربي من أعلى سلطة للبلاد على تطوير العلاقات المغربية الإفريقية، وعلى دعم تماسك شعوب هذه القارة جيوسياسيا وحضاريا، لما فيه خير ونماء شعوبها. وحيث تترافق هذه الزيارة الملكية مع تحولات سياسية عميقة تشهدها مختلف دول العالم، بما يطبعها من صراعات وتوترات وخلافات دولية. كما تعكس الزيارة لإفريقيا الشرقية أيضا الإرادة القوية لجلالة الملك على وضع أسس استراتيجية بين المغرب وهذه الدول الإفريقية التي يزورها، على غرار العلاقات المتميزة القائمة مع مختلف بلدان القارة، والتي يمتلك المغرب فيها تجربة رائدة تجسدها المشاريع التنموية المهمة المبرمة بمناسبة الزيارات العديدة، التي قام بها جلالة الملك، مما يجسد تمسك مختلف الدول الإفريقية، ومنها المغرب، بضرورة العمل المشترك، خصوصا في هذه المرحلة، مرحلة النزاعات والتفتيت التي تشهدها اليوم عدة دول، ويمثل معيارا مناسبا للحكم على تبلور رؤية إفريقية خالصة للشراكة جنوب-جنوب، التي طالما دعا إليها جلالته منذ بداية هذه الألفية، من خلال استثمار القوى الإفريقية الحية الذاتية، وجهود بلدانها الخالصة لتجاوز ترسبات الماضي الاستعماري وتجاوز الخلافات والحروب، التي فوتت على القارة فرصا عديدة للإقلاع الاقتصادي.

لهذا، فالزيارات المتواترة لجلالة الملك إلى ربوع إفريقيا تنهل من معين هذه المقاربة والتوجهات الجديدة، قصد ترسيخ أسس جديدة لتنمية متبادلة ومتوازنة بين دولها، وبلمسة إنسانية وثقافية واجتماعية ودينية، وبكل أنسجة الهوية الإفريقية المشتركة.

كلنا يتذكر المبادرة الملكية أثناء القمة الإفريقية الأوروبية، التي انعقدت بالقاهرة في أبريل 2000، حيث قرر خلالها جلالة الملك إلغاء ديون جميع الدول الإفريقية الأقل نموا، فضلا عن اتخاذ تدابير منذ 2011 وإجراءات صرف تحفيزية لدعم تموقع المستثمرين المغاربة في القارة الإفريقية، من خلال رفع سقف الاستثمارات المعفاة من ترخيص مكتب الصرف، وهو ما مكّن المؤسسات العمومية والخاصة في كافة القطاعات (البناء والعقارات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات البنكية والطاقة والمعادن والصحة والماء الصالح للشرب والصيدلة والتعليم الخاص…) من الوجود الفعلي والتنافسي بإفريقيا، وما مكّن كل ذلك من نقل الخبرة المغربية إلى مختلف المجالات القطاعية، حيث أصبحت قاعدة مادية صلبة لاستراتيجية التعاون الثلاثي، مما يحتّم مواكبة هذه الدينامية بإطار تشريعي وتنظيمي ملائم ومنسجم مع تطلعات التعاون المغربي الإفريقي، الذي ظل حبيس الحسابات السياسية وضرورة التوازنات الإقليمية التي أملتها التحديات السياسية الضاغطة.

فرغم هذا الاهتمام المغربي، تبقى إفريقيا مع ذلك رابع شريك تجاري إقليمي للمغرب، بما نسبته 65% من حجم التجارة الخارجية العامة لبلادنا، بينما تظل أوروبا الحليف التجاري الأول بأكثر من 62% من مجموع التبادلات، فآسيا ب 19% ثم أمريكا ب 12%.

إن الاختيار المغربي عبر دبلوماسيته الإفريقية، يجسد كذلك ترجمة فعلية بما تبناه دستوريا بإنتمائه الإفريقي، ووضوحا في معالم هذا الاختيار الممتد عبر التاريخ منذ قرون، وإن كان تبادل الزيارات الدبلوماسية المغربية الإفريقية بالشكل المتعارف عليه اليوم لم يبدأ إلا  منذ سنة 1958 حيث كان رئيس جمهورية غانا أول رئيس إفريقي يزور المغرب في يوليوز 1958.

وسجل التاريخ المغربي الإفريقي بمداد الفخر، وقوف المغرب الغير المشروط مع حركات التحرر الإفريقية، وساند استقلالها الوطني، وكان من مؤسسي أول منتظم إقليمي وحدوي لدولها، الذي مع الأسف تعرض لارتهان أدواره السياسية والاستراتيجية بسبب توجه بعض الدول الإفريقية المعادية لقضية وحدتنا الترابيةـ وكان القرار المؤسف المعروف الذي هو الانسحاب من هذا المنتظم، مما أثّر سلبا على فعاليته وعلى تعاون أعضائه.

من هذا المنطلق، فإن من شأن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي أن يؤدي إلى تعزيز آليات التعاون المشترك، وخدمة الأمن الإقليمي والقاري خصوصا أن المنطقة الإقليمية للمغرب والقارة الإفريقية واجهتا وماتزالا تواجهان خطر الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وسيكون استرجاع بلادنا لمكانتها بهذا الاتحاد قيمة أمنية مشتركة مضافة.

فرغم القرب الجغرافي مع أوروبا، ظل المغرب وفيا دائما لبعده الحضاري الإفريقي، وقد كان يروق لجلالة المغفور له الحسن الثاني أن يشبّه المغرب بتلك الشجرة التي جذورها في إفريقيا وأغصانها بأوروبا. وعندما تداولت المنابر الإعلامية العالمية والوطنية بكثير من الإعجاب صور جلالة الملك محمد السادس وهو يقرع طبلا إفريقيا خلال مراسيم استقباله بتانزاليا، فإن صدى الإرادة الملكية على دعم التعاون جنوب-جنوب والافتخار بالانتماء الإفريقي كان يدوّي في أرجاء العالم.