مخاض حكومي على جثة الشهيد فكري

من له مصلحة في اقتفاء أثر الفتنة ببلادنا، وهي بالكاد تلملم نفسها وتتحسس أطرافها مما وقع ويقع بالعالم المغاربي والعربي تحت هذا العنوان الأجوف والمخادع الذي هو “الربيع العربي”؟

مناسبة هذا السؤال هي المأساة المفجعة، التي أخرجت سكان الحسيمة ليلة الجمعة للاحتجاج على مقتل تاجر سمك بالمدينة في حاوية النفايات كان بصدد استرجاع سمكه الذي كانت النيابة العامة أمرت بمصادرته وإتلافه، فما كان إلا أن قضى رحمه الله تحت معدات جهاز الضغط بشاحنة النفايات التي استعملت في إتلاف رزقه.

وبقدر ما إن رواية مفصلة ودقيقة لهذا الحادث المأساة تفرض نفسها بإلحاح، بقدر ما نحتاج إلى مقدمة لفهم طبيعة العلاقة التي أصبحت تؤطر الإدارة بالمواطن.

لقد أحسّ كل بسطاء هذا الوطن، وهم يتابعون السرد المتنوع والمختلف وأحيانا المتناقض لوقائع الحادث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أحسوا بلسعة الصفعة، التي تعرض لها الشهيد البوعزيزي بسيدي بوزيد بتونس في ذلك اليوم المفصلي من دجنبر 2010. والذي مهما أوغلنا في ذكرياته وما جرّه علينا، فإن تفاصيل الدمار الذي نشاهده ونتابعه على قنوات الأخبار تجعلنا نحتار في تفسير أو تبرير بعض قرارات الشرطة الادارية والسلطات المحلية والنيابة العامة، بنفس الدرجة التي نحتار بها في تفسير الدوافع السلبية الناقمة لشحن المواطنين عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفرض نمط تفاعلي معين لاستعمال سيء واستغلال للخبر وببهارات إيديولوجية، وإعادة إنتاجه وتلفيفه من خلال تسريب النقمة إلى الجسد المجتمعي قصد القضاء على قدرته المناعية، بما يقوّض الأمن العام، أمام قصور إعلامي رسمي وذي مصداقية في التعاطي مع مثل هذه الأحداث.

chahid

 

ولنعد إلى هذه القصة التراجيديا، التي كان بطلها هذا المواطن، الذي خسر سمكه ورزقه، وربما كل رأسماله الذي يملك، فحاول الحفاظ عليه، غير أن معدات شاحنة النفايات هزمته وجعلت عائلته والبلاد تخسره. وربما يستطيع أي منا تخمين ما حدث وبملابسات مملة، بسبب العلاقة المتشنجة التي نعرفها مسبقا، وتطبع المواطن بالإدارة وبالسلطة التي لم يسلم من شططها أحد منا، وإن بدرجات متفاوتة، حين أحس هذا الشاب بالمهانة ورزقه وكرامته تطرح في مكب النفايات وفي أكوام القمامة أمام أنظاره، فقرر أن ينتفض بما رآه ملائما لرد الاعتبار، وكانت المأساة التي تلقاها المواطنون وحاولوا بلعها متسائلين، ونحن معهم: ألم يكن في وسع السلطات المحلية تجنب الوقوع في مثل هذا الجمر الذي أحرق نظيره دولا وحكومات؟ ألم تكن ثمة وسيلة أخرى لمعاقبة هذا المواطن عن المخالفة أو الجنحة أو الجناية التي اقترفها عندما انتهك رزقا مشاعا أصبح محمية بحرية بقرار عجيب؟ ألم يكن ملائما اتخاذ قرار إداري حليم وبعيد عن سقف التوتر والارتباك والتضاد والشطط من أجل إظهار عظمة سلطة شخصية أو مؤسساتية؟ ألم يكن مناسبا ولو للحظة استرجاع روح ومضامين الخطابات الملكية حول حتمية وضرورة احترام الحقوق وصيانتها، وآخرها كان الخطاب الملكي السامي، الذي لم يجف حبره بعد، في افتتاح الدورة التشريعية الأولى خلال نفس هذا الشهر الذي وقعت فيه المأساة، وكان قد انصب حول ضرورة إصلاح النظام الإداري بما يكفل كرامة وحقوق المواطنين كاملة؟

هذا على المستوى المحلي، أما على المستوى الوطني، فإن هذا الحادث الأليم هو إدانة صريحة للحكومة ولمنطقها في تدبير السياسات العمومية بما لا يدع مجالا للتأويل. إنه انعكاس لفشلها الذريع على جميع الأصعدة، وأولها فشلها في محاربة الهشاشة الاجتماعية، وفشلها في خلق توازن اقتصادي واجتماعي بين الجهات.

إن الاهتمام العنيد الذي أبدته الحكومة منذ توليها بما أسمته تعسفا إصلاحات ماكرواقتصادية بغية إقرار توازن اقتصادي لم يستسغه ولم يشعر بجدواه أحد على حساب الفئات المهمشة من مجتمعنا، وأيضا الإهمال الحكومي، الذي طال جهات وأقاليم بكاملها من أي اهتمام، درجة أن يقاطع رئيس الحكومة جهة من أرض الوطن كجهة طنجة تطوان الحسيمة، حين احتضنت تظاهرة عالمية تحت الرعاية الملكية، بمستوى “ميد كوب”، وعندما تذكرها كان ذلك من أجل تنظيم وترؤس حملاته الانتخابية. مثل هذا السلوك الحكومي الغير مسؤول، هو الذي يجعل جزءا عريضا من فئات المواطنين غير عابئ وعازف، لكنه يسعى في نفس الآن إلى تدبير قوت يومه، الذي يضعه في آخر النهار على المائدة أمام أطفاله بكد وشرف وصبيب طاهر لقطرات عرقه.

لهذا فحادث الحسيمة ليس معزولا أو منفردا، لقد طالعتنا المنابر الإعلامية خلال مدة الولاية الحكومية المنتهية بحالات متعددة، وإن اختلفت أشكال الموت، لمواطنين يختصرون مساءلتهم وإدانتهم للحكومة بوضع حد لحياتهم إما حرقا أو شنقا وبلقطات مأساوية ومفجعة، فكم من شريف وصالح بينهم طبعت عليهم الحكومة بسياستها المجحفة طابع الإقصاء والنبذ والفقر والاهانة؟!

فأي صورة نقدم للعالم، والمسؤولون الحكوميون يأمرون بإتلاف كميات من السمك يجهل جل المواطنين نوعه واسمه ومذاقه، وربما لم يحظوا يه ولو مرة كوجبة على أطباقهم، وبتقنيات إتلاف همجية، ونحن مازلنا نتداول بين أيدينا التقارير الدولية، سواء التي تنبؤنا بخطر الجوع يزحف علينا، أو التي تصنفنا في آخر ترتيب الدول من حيث الإحسان العمومي؟!

فعندما كانت السلطات تصادر سمك الشهيد محسن فكري، فقد أهانته. وحين اتخذت قرارها بإتلافه بأسلوب مقيت فقد أهانته وأهانتنا معه. وعندما كانت تستسلم لنصوص قانونية بشكل مجرد وبارد، فقد تمادت في إهانتها لروح القانون وجوهره مع كل ظروف التشديد.

وعلى الحكومة، التي مازالت تطبخ أغلبيتها الوثيرة على نار هادئة دون مبالاة لما يحصل حولها، أن تتحمل مسؤوليتها الإنسانية والتاريخية قبل السياسية في هذا الحدث.

وعلى كل من ساهم في هذه الجريمة، من قريب أو بعيد، أن يمثل أمام القضاء كل حسب درجة مسؤوليته، وكفانا من العبث والمجازفة بأمن المواطنين والوطن…