احضي راسك من العافية والواد والمخزن.. وبنكيران!

احضي راسك من العافية والواد والمخزن.. وبنكيران!

في البلدان الديمقراطية، التي تحترم نفسها ومواطنيها، عندما يقع حادث مأساوي من قبيل جريمة طحن بائع السمك محسن فكري، تتحرك هياكل الدولة عن آخرها، في حالة من الاستنفار استثنائية، تكون في مستوى فظاعة الجرم المرتكب، باعتباره يمس بنية النظام الأمني والمجتمعي للبلاد… لكن في الحالة المغربية، تحرك الملك، وتحرك الشعب، وتحركت عدة أجهزة أمنية لزوم الحفاظ على الأمن، لكن لم تتحرك كثير من مؤسسات الدولة.. لم تتحرك الحكومة، إذ رغم أنها حكومة تصريف أعمال، فذلك لا يعفيها من التحرك.. لم يتحرك رئيس الحكومة المعين، ففي الوقت الذي كانت تشتعل الحسيمة، وتُشيّع جنازة الشهيد في مسيرة حاشدة إلى مسقط رأسه بإمزورن، كان رئيس الحكومة المعين يرابض بمنزله أو بمقر حزبه، يرتدي “ضرّاعية” تقليدية، ويتمنطق بـ”تسبيح” مثل فقيه الحومة، ويواصل مشاورات تشكيل الحكومة، ويوزع الابتسامات والضحكات، وهذا كل شيء… الحياة تستمر على حالها، دون أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في البحث والتحقيق في قضايا الفساد، الذي ينخر مختلف هياكل الإدارة المغربية، وينتج أوضاع “الحكرة”، التي تنهك جماهير الشعب، فتدفع مواطنين إما لقتل الذات، أو لقتل الآخرين، وبين الحين والحين، وهذا ما ميّز ولاية حكومة بن كيران المنتهية، تطفو إلى السطح حالات “انفجار” مواطنين، هنا وهناك، من امي فتيحة، التي ماتت حرقا من شدة الإحساس بالحكرة، إلى المغتصبة خديجة، التي قضت حرقا بضغط الإحساس بالظلم، إلى عشرات المعطلين والباعة المتجولين وعدد من المواطنين البسطاء، الذين أحرقهم الظلم والحكرة، وإلى آلاف الأطر والأساتذة والطلبة المعنّفين، الذين تكسرت عظامهم بهراوات الأمن، وصولا، اليوم، إلى “طحن” الشهيد محسن فكري…

ولأن بن كيران أصبح يعرف جيدا أين تقع الحسيمة، خرج على الناس بعبارات الأسف الشديد لحادث مقتل الشهيد محسن فكري، ثم توجه إلى الأتباع، في إشارة مقصودة إلى من يهمه الأمر، بدعوتهم إلى عدم الاستجابة بأي شكل من الأشكال لأي احتجاج بخصوص هذا الحادث المأساوي…

يقال إن التاريخ يعيد نفسه، وإن بشكل درامي، فهذا، بالذات، ما وقع مع مظاهرات حركة 20 فبراير سنة 2011، مع الفارق طبعا، إذ عمد وتعمّد بن كيران استعمال هذه الورقة للأغراض السياسية المعروفة، بالادعاء أن هذا الموقف هو الذي ضمن للمغرب الأمن والاستقرار، وغدا، قد يأتي ظرف لاستعمال ورقة الحسيمة، والادعاء بأن موقفه هو الذي ضمن الأمن وتفادى اشتعال النار في الريف…

والحال، وخلافا للإيحاءات المتعددة، أظهرت المظاهرات، التي خرج فيها الشعب بالآلاف للاحتجاج على الظلم والحكرة والتجاوزات والانتهاكات في عشرات المدن، أن الجماهير المحتجة حريصة جدا على المصلحة العليا لبلادها، وعلى أمنها واستقرارها، وعلى العكس، أن موقفه وموقف حكومته، وسياساته اللاشعبية، هي التي تذكي أسباب التوتر واللاأمن واللااستقرار، وتفاقم أوضاع البؤس والفاقة والبطالة والتشرذم وكل ظروف الإحباطات، التي لا تؤدي إلا إلى الاضطرابات…

فليس غريبا أنه في عهد هذه الحكومة، تكاثرت حالات الانتحار حرقا بـ”العافية”، كما نقول بالدارجة، من شدة “الحكرة”، التي يمارسها هذا “الكائن” المسمى “مخزن”، الذي قد يكون إدارة، أو رجل سلطة، أو رجل أمن، الذي كان، في عهود بائدة، رمزا لكل ما هو بشع وقمعي، وكانت هذه الدلالة تستمد مرجعيتها من تلك الصورة، التي تكرست في المخيال الشعبي بمثل مغربي دارج كان يردده المغاربة يقول: “احضي راسك من العافية والواد والمخزن”!!

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->