قضية سناء وهاجر.. قضية مجتمع مهدد بالدعشنة

قضية سناء وهاجر.. قضية مجتمع مهدد بالدعشنة

اعتقال صبيتين قاصرتين في مراكش وإيداعهما سجن بولمهارز والبدء في محاكمتهما، اليوم الجمعة، بتهمة المثلية الجنسية هي فضيحة كبرى…

لأول مرة في تاريخ القضاء المغربي، بحكم أن الاعتقالات والمحاكمات السابقة كانت ذكورية، ستجري وقائع الفضيحة الجديدة: الصبيتان القاصرتان، سناء (16 عاما) وهاجر (17 عاما)، اعتُقلتا يوم الخميس من الأسبوع الماضي، وقضتا 48 ساعة قيد الاحتجاز، قبل مثولهما يوم السبت الماضي أمام النيابة العامة، التي قررت إيداعهما سجن بولمهارز، ومحاكمتهما بموجب المادة 489 من القانون الجنائي، التي تنص على الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات…

صبيتان حُشرتا مع مجرمات في السجن، وقد تكونا تعرضتا لكل أشكال التحرش، وحتى الاغتصاب، دون أدنى مراعاة لحداثة سنهما، التي كانت تتطلب تمتيعهمتا بالسراح، الذي لم يحصل إلا يوم أمس الخميس!!

ألا يعتبر هذا الوضع داعشيا؟ وألا يعتبر الإمعان في المتابعة والمحاكمة جزءا من صيرورة مجتمعية قيد التشكل، تتمثل في دعششة الدولة والمجتمع؟

نطرح السؤال لأن مثل هذه الحالات باتت تتكرر وتتكاثر بشكل مثير جدا خلال الخمس السنوات الماضية، والمثير أكثر هو درجة تصاعد عمليات إقحام المجتمع في مثل هذه الحالات، بدخول مواطنين على الخط، حتى أصبحنا أمام ظاهرة نطلق عليها اسما ملطفا “شرع اليد” أو “قضاء الشارع”، أو اسما عاريا يحمل إرهاصات “الشرطة الدينية” أو “المطاوعية”!

ليس في الأمر أدنى مبالغة، دعونا نذكر بعض الحالات السريعة: حالة الاعتداء الهمجي، الذي تعرض له شاب مثلي في شارع الحسن الثاني بفاس، من قبل عشرات الشباب المُهيّج، مما كان سيعرض الشاب لموت محقق، قبل أن تصل إلى عين المكان دورية أمنية، تمكنت من إنقاذه من ضربات المعتدين، ولولا الضغط، الذي مارسه الفايسبوكيون والناشطون المدنيون لبقي المعتدون بمنأى عن أي متابعة، تماما مثلما حدث في قضية فتاتي إنزكان، بسبب ارتدائهما تنورة قصيرة عادية، إذ أفلت المعتدون، والمتحرشون، من أمام الأمن، والشرطة القضائية، ومن النيابة العامة، التي حوّلت الضحيتين إلى مذنبتين، وأصبحا هما من تتابعهما المحكمة!

في محاولة قتل شاب فاس، كان بين الجمهور الهائج ملتح، يهيّج المعتدين، ويوجههم لتغليض الضرب، ويصرخ فيهم: “قُتلوا ليهودي”!!! تماما مثل ما جرى في حالة فتاتي إنزكان، إذ ظهر ملتحون، وشرعوا في تهييج الشباب، وتحريضهم على “قتل المنكر”!!!

المسألة تبدو أخطر من مجرد اعتداءين منفلتين، المسألة تتجه إلى أن تكون حالة عامة، تهدد استقرار المغرب وتساكن المغاربة… وهذا هو المتهم الحقيقي، الذي يجب البحث عنه والقبض عليه ومحاكمته بتهمة “تهييج الناس لتهديد استقرار المغرب وتعايش المغاربة”…

وهذا المتهم خطير جدا لأنه مسؤول أيضا على تنامي مظاهر العنف والإرهاب في محيطنا الإقليمي، فما جرى في تونس والكويت وفرنسا وبلجيكا وألمانيا، علامة فارقة في هذا الوضع، الذي يعتبر انعكاسا لتوسع متدرج لما يمكن أن نسميه “خارطة التغطية الإيديولوجية للفكر الإرهابي”، في عموم المنطقة، بحيث اتخذ هذا التوسع، في بلادنا، منحى مخاتلا، مثل “الثعلب الذي يظهر ويختفي”، حتى لا يثير الانتباه إليه في عملية اختراق المجتمع، بل وأساسا في محاولات وعمليات اختراق الدولة من خلال التأثير على مؤسسات، مثل ما وقع في حالة المثليين، اللذين ألقي عليهما القبض في ساحة ضريح محمد الخامس، إذ مارست وزارة الداخلية، في بلاغ رسمي، عملية تشهير إجرامية، بالصور والأسماء الكاملة، ضد المعنيين، مما يشكل تهديدا فعليا لسلامتهما وحياتهما… لكن أخطر مثال على هذا الاختراق نجده في مسودة القانون الجنائي، الذي يمس مختلف مناحي حياة المغربي الخاصة والعامة، في البيت والأسرة والشارع والمدرسة والعمل، وفي كل شيء، حيث جرى تلغيم المشروع الذي أعده وزير ملتح، في دهاليز حزب ملتح، ليرى النور في الحكومة المقبلة، بمقتضيات توفر تربة خصبة لتنامي “خارطة التغطية الإيديولوجية” لفكر العنف والتطرف والإرهاب.

هذه العقلية، التي أعدت المسودة، ومارست الحكم خلال خمس سنوات، هي التي تفرّخ “الداعشية”، وتشجّع شبابا على الخروج، مثلا، في شاطئ أنزا بأكادير، ليتبثوا عليه لافتة تحمل شعارا يحذر السائحات من ارتداء “البيكيني”، عقلية تشجع على مطاردة وتطويق ومحاولة الاعتداء على فتاتين يرتديان الصاية بإنزكان، عقلية تحرض جمهورا هائجا على الاعتداء على مثلي في فاس، واقتحام شقة مثليين في بني ملال وتعريضهما لاعتداء همجي، فضلا عن عشرات الحالات المماثلة، التي تبرز هنا وهناك في عدد من المدن المغربية، ليس آخرها جرّ صبيتين قاصرتين للاعتقال والمحاكمة مثل عتاة المجرمات…

إن قضية سناء وهاجر تدق أجراس المسؤولية أمام كل القوى الوطنية الديمقراطية، إذ تكشف أننا أمام معركة حقيقية، لمواجهة تيارات الظلام وتجار الدين، ولتحصين مكتسبات مغرب الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية، ولتصليب النضال من أجل تمتين وتطوير الحقوق المواطنية والإنسانية… التي باتت تحت تهديد “الداعشية”…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->