دلالات خطاب ذكرى المسيرة الخضراء من قلب القارة السمراء

يجب الإقرار أن الذكرى الواحدة والأربعين لحدث انطلاق المسيرة الخضراء، التي خلدها المغاربة أمس الأحد، تختلف عن سابقاتها من حيث الدلالة والمغزى واختلاف الظروف، والأمكنة والجغرافيا، وبما أوحت به في نفوس الشعب المغربي دلالة أن يتوجه إليه ملكه بخطاب سام تخليدا للذكرى من قلب إفريقيا، حيث يقوم بزيارة رسمية إلى السينغال بعد جولة قام بها إلى دول شرق إفريقيا.

ولا يمكن استيعاب رمزية خطاب ذكرى المسيرة الخضراء، يُوجّه من داكار، إلا باستحضار الحقائق التاريخية، التي تشكل مضمون الإيمان الراسخ بمبدأ الوحدة الترابية، وبمبدأ الوحدة الإفريقية، على أسس الروابط المتينة وأهداف العيش المشترك، والطموح الواحد، والثقافة المشتركة والتاريخ، وبكل ما يمكن أن يوحي به هذا التقابل من علاقة بالتصورات النبيلة، التي يملكها الشعب المغربي عن انتمائه الإفريقي، وتطلعات الأفارقة بعودة المغرب إلى حضن الاتحاد الإفريقي.

فالواقع أن إفريقيا لا يمكن إلا أن تكون فضاء مقدسا ملهما للتحرر وللوحدة، فهي التي احتضنت مختلف أشكال المطالبة بالاستقلال الوطني ووحدة الشعوب، وهي الأشكال والقيم الإفريقية الأصيلة، التي شكلت وعاءً لهذا الحدث، ذكرى المسيرة الخضراء الملحمة المغربية السلمية في التحرر والاستقلال، التي التقطها في هذه الذكرى الوعي الوطني والسياسي والوجداني، واحتفى بها وشارك بالاحتفاء بها وطنيا وإفريقيا.

وهذا ما يدل على أن هذا الوعي هو علامة على وجود إدراك بحدين: حـد وطني مغربي تشكل الوحدة الترابية أحد مبادئه المركزية، وحـد إفريقي يعتبر مبدأ الاتحاد والوحدة أحد عناصر وجوده. فهناك علاقة أكيدة إذن بين القضيتين.

كما يأتي خطاب جلالة الملك من السينغال كرسالة مفادها وحدة المصير المشترك في المنافع والمصالح والتطلع لبناء المستقبل، مستقبل الشعوب الإفريقية، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بتوظيف هذا المشترك فينا، وتوظيف كل الطاقات والموارد، وفي كل القطاعات الاقتصادية والتنموية لما فيه خير شعوب إفريقيا، ورفض كل المغامرات التجزيئية المُفَرِّقَة التي لم تدفع يوما في اتجاه تغيير الواقع والتاريخ، بقدر ما ساهمت وحرضت على إعادة إنتاج واقع استعماري جديد في إفريقيا ببدائل وطاقات وإمكانيات مادية، لو وُظفت في تنمية الشعوب لتجاوزت إفريقيا كثيرا من مشاكلها ومحنها.

كما يأتي خطاب جلالة الملك بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء عشية احتضان بلادنا للدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في مراكش، التي تنطلق أشغالها اليوم الاثنين، وحيث سيتحول المغرب إلى منصة عالمية تتناول مستقبل كوكبنا، وهي القمة التي سيحضرها، كما هو معروف، قادة ومندوبو الدول والمؤسسات العالمية والمنتخبون، وحيث يقدم المغرب نفسه كفاعل إفريقي في عالم يتشكل، ويقدم نفسه أيضا كبلد يرسم ويؤسس لقاعدة صلبة من التعاون المغربي الإفريقي والتعاون جنوب-جنوب.

قمة ستكون مناسبة ليقف العالم على أرض الواقع قصد ملاحظة هذه الدينامية التي يقودها جلالة الملك، والتي تحكم سيرورة مجتمعنا، بأبعادها الوطنية والإفريقية، وبتلاحم قضايانا، وبما يؤلفه المغرب كمدخل أولِ وأهم للاستثمار والتنمية في إفريقيا، وبما يمثله النموذج المغربي في الاستقرار السياسي والأمني على المستوى الإقليمي والقاري.

لهذا، فإن خطاب جلالة الملك في ذكرى المسيرة الخضراء إلى شعبه من قلب إفريقيا، هو استشراف لأفق الوحدة الإفريقية، وإيمان بحتمية المصير المشترك لشعوبها، الذي صار جزءا لا يتجزأ من كيان كل أقطارها، وفي هذا السياق، فإن خطاب الملك، وهو يترجم نضال المغاربة من أجل وحدتهم الترابية، فإنه يعبر أيضا عن نضالهم من أجل وحدة إفريقيا.