مراكش.. ميلاد نظام عالمي بيئي جديد

العالم مدعوٌّ في مراكش، وهو يتابع فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية ضد غريمته هيلاري كلينتون، إلى إعادة النظر ضمن فهم جديد للاختيارات السياسية والاقتصادية للعالم، خصوصا عندما يصبح أحد رجال الأعمال الكبار، الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. فعندما تمتزج السياسة بالمال والنفوذ، يصعب إيجاد إجابات راهنة أو على المدى المتوسط على الأقل لمشكل التغير المناخي، لذلك، فهذا العالم مدعو بهذا المعنى إلى وضع حد لمتاهة النقاش السياسي حول إشكالية المناخ، ومدعو إلى ولوج ساحة المعايشة بين الإنسان والطبيعة بشكل عام، ومدعو إلى تبني الكيفية المثلى التي تبتدئ معها فعاليته في مواجهة تحديات التغيير المناخي، بعيدا عن النظريات المجردة، إذ قلما اختلف الناس، من الدول الصناعية وغير الصناعية حول خطورة هذا الكابوس البيئي الذي يهدد كوكب الأرض ويهدد بتحويله إلى بيئة كريهة غير ملائمة للعيش.

هناك دوافع أكثر إلحاحا وموضوعية لكي يقوم العالم، وفي مقدمته العالم الصناعي الغني بالاهتمام الفوري بحدوث التغيرات المناخية، التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها، سواء بدورات المحيطات وارتفاع منسوبها أو العواصف والتلوث والاحترار والعواقب البيولوجية المهددة، أو حدوث جائحات الأوبئة التي لا تعترف بالحدوث السياسية للدول.

العالم إذن، يتذكر في هذه المحطة المغربية “كوب22” أن مساهمة الجنس البشري في هذه الظاهرة، وأقلها الانحباس الحراري، هي ربما العامل الوحيد الذي يمكن التحكم فيه بصفة مباشرة، وذلك باتخاذ إجراءات ملموسة للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة، وإعادة التشجير، وبالخفض السريع لانبعاث الغازات الدفيئة.

لقد حان الوقت لأن يمتلك القادة السياسيون في العالم لرؤية مشكل التغير المناخي بشكل متبصِّر، وأخذه على محمل الجد، ولعل الوفاء بالالتزامات التي تم الاتفاق عليها خلال مؤتمر باريس في الدورة 21 لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن التغير المناخي، من شأنه أن يشكل مدخلا مناسبا لتحمل هذه المسؤولية في الحد من ارتفاع الحرارة أقل بكثير من درجتين مائويتين ومراجعة التعهدات الإلزامية كل خمس سنوات، وزيادة المساعدات المالية لدول الجنوب، ودعم البيئة والتنمية المستدامة بهذه الدول، التي لديها الفرصة لاعتماد تقنيات جديدة أكثر فعالية وأقل إضرارا بالبيئة من تلك المتخذة بالدول الصناعية الكبرى. وحيث تشكل بلادنا نموذجا للاختيارات الميدانية التواقة إلى الحفاظ على البيئة، ومناقشة قضاياها.

وبطبيعة الحال فاحتضان مراكش لهذه التظاهرة العالمية، يأتي ليس لأن المغرب أصبح مُتَعَهِّدَ منتديات ومؤتمرات، أو في إطار استعراض ديبلوماسي مجرد، بل في سياق متعدد المستويات منها على سبيل الذكر لا الحصر:

أولا: دينامية مشاريع التنمية الهيكلية التي أطلقها جلالة الملك، وفي مقدمتها المشاريع التي تعنى بالبيئة وبالطاقات المتجددة، وبكل طرق التفكير بالتنمية البشرية التي تعتبر القاعدة الصلبة للبيئة وللمحيط. وباعتبار أن المغرب أصبح كذلك صاحب رؤية واختيار في المقاربة البيئية من خلال الاجراءات والمشاريع والاستراتيجيات الوطنية في المجال، الهادفة للتعامل الأمثل ذي الصلة.

ثانيا: انخراط المملكة في الجهود الدولية والمشتركة والمتضامنة مع باقي البلدان، سواء في إطار التعاون شمال-جنوب أو جنوب-جنوب. ومن هنا فإن توسيع مجال هذا التعاون، خصوصا المغربي الإفريقي الذي أصبح مشهودا، من شأنه أن يشكل أساسا لسياسة إفريقية قصد تشجيع التطوير السريع والتنمية المستدامة الفعالة، في مدينة مراكش التي كانت دائما، بتأثيراتها وإشعاعها وانفتاحها، منصة إفريقية للتعبير عن طموحها خلال هذه التظاهرة العالمية، وهي القارة التي تقف دولها في الصف المتقدم من الدول التي تأثرت سلبا بالتفاوتات واختلالات التوازن بسبب التطور الصناعي والتكنولوجي بين دول الشمال والجنوب.

ثالثا: الاهتمام المتزايد للمجتمع المدني المغربي، رغم قلة إمكانياته المادية، بإشكالية التنمية المستدامة وبالبيئة، وازدياد الوعي المدني بتوظيف الطاقات البشرية بما يحقق المصالح، والبحث من أجل توفير الظروف الملائمة، في المجالين الحضري والقروي، بالقدر الذي جعل هذه الطاقات المدنية قادرة على فرض نفسها من خلال تظاهرة وأنشطة ذات بعد عالمي مثل “كوب22”.

رابعا: اعتبارا كذلك للتميُّز المتفرد للمغرب في الاستقرار السياسي والاستتباب الأمني، وفي قدرته على ضمان تنظيم تظاهرة عالمية من هذا الحجم بمستوى جيد بإمكانات وطاقات محلية ووطنية كفأة ومبادِرة، في ظرفية تكاد تكون استثنائية لأن الحكومة لم تتشكل بعد.

فالمطلوب إذن في هذا الإطار، ورئيس الحكومة المكلف مازال يبحث عن أغلبيته، استشعار هذا الوزن الذي أصبحت بلادنا تحظى به. مطلوب أيضا توفر مُكَوِّنٌ حكومي مسؤول وعلى درجة من الوعي ومتمثل لهذا الرهان البيئي، كورش من بين الأوراش الأخرى، التي يعول عليها في تحقيق التنمية واستشراف المستقبل. ومطلوب أيضا بالمُحصِّلة توفر مكوّن قادر على أن ينتقل بالبلاد من طور إلى طور أفضل، بما يحقق تطلعات مختلف الفئات الشعبية وتطلعات المواطنين الذين لم يولدوا بعد، “وببرنامج واضح وأولويات محددة لقضايانا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها إفريقيا، حكومة قادرة على تجاوز الصعوبات”، كما قال جلالة الملك مؤخرا في الذكرى الواحدة والأربعين للمسيرة الخضراء.