في انتظار الحكومة

بعد أكثر من شهر على تكليف رئيس الحكومة بتكوين أغلبيته، يبدو أن المهمة فقدت زخمها وتراجع بريقها وانتقلت من موقع الفعل إلى موقع رد الفعل، لذلك فمن المنطقي أن يعتقد الناس، وهم ينتظرون لحظة ميلادها الغامض، أنها تحمل مظاهر فشلها وتعثرها أكثر مما ستحمل فرص نجاحها في مهامها.

ويبقى التساؤل مشروعا عن الدوافع الكامنة حول جرجرة الوقت، ومعها جرجرة شعب بأكمله يترقب دون جدوى، في ضوء صمت مطبق مُشرَعٍ على كل التأويلات والاحتمالات. وتساؤلات أخرى تظل قائمة حول مدى ملاءمة هذا البطء في إنجاز المهمة مع ما يمكن تسميته بمنهجية ديمقراطية ودستورية، اعتبارا لسرعة وتلقائية التكليف بتشكيل الحكومة، يومين فقط بعد الإعلان عن نتائج تشريعيات السابع من أكتوبر، وما يحتمه ذلك من ضرورة اصطفاف سياسي مسؤول، احتراما لهذه المنهجية، والذي كان ينبغي أن تكون أولى تجلياته هي السعي نحو تشكيل الحكومة في توقيت معقول، ومن منطق الاحساس العميق بالظرفية السياسية العامة وبالرهانات المنتظرة أمام الحكومة المرتقبة، والتي من الواضح أنها لم تُؤخذ بالحُسبان. إضافة إلى تجدد الرسائل الشعبية الرافضة لحالات الاحتقان المجتمعي، كان آخرها احتجاجات المواطنين على مقتل تاجر السمك المرحوم محسن فكري، واحتجاجات ضحايا برنامج 10 آلاف إطار تربوي، والاحتجاجات المطالبة بإسقاط أنظمة التقاعد… الخ.

لكن الظاهر أن لرئيس الحكومة المكلف حساباته الخاصة، وقدرة فائقة في استهلاك الجدل، ومنه الجدل حول تأخر ظهور الحكومة، ومن المرجح أن يظل مشروع تشكيلها مطروحا في ظل هذا الوضع، كما يرجح بقاء هذا المشروع لأيام أخرى بعيدا عن دائرة التطبيق الفعلي.

فمن السهل ابتكار الإشاعات لتبرير البطء أو التماطل أو التعثر في تشكيل الحكومة إلى حدود الساعة، لأسباب واهية، أقلها التشكي من تصلب أو تضارب مواقف حلفاء الأمس، أو كون هناك من يسعى لعرقلة إنجاز هذه المهمة بوضع العصى في العجلة. مما يعني أن إدارة المشاورات من أجل تكوين أغلبية، تعاني من الخلط المزمن بين الواقع والمتخيل، وبين ما يفرضه الواقع السياسي الذي أفرزته صناديق الاقتراع وبين التمسك بما هو معتقد ولو أدّى إلى شيطنة الحلفاء قبل الخصوم.

إن هذه الأسطوانة المشروخة لم تعد تطرب أحدا، كما لم تعد تقنع أي عاقل. لقد انطلت مثل هذه المزاعم على جزء من الناخبين المصوتين، ولم تعد تجدي في تبرير فشل آخر، ولو كان يتعلق بتشكيل أغلبية حكومية.

لأن المسألة ببساطة لا علاقة لها بالنوايا الحسنة أو السيئة، ولا بالقابلية النفسية والمزاجية للفرقاء السياسيين، أو بالعهود التي يعطونها، وقد يفون بها أو ينكثونها، ولكن لها علاقة، أولا وأخيرا، بالمسؤولية نحو الحاضر والمستقبل، والتي ينبغي أن يكون نسيجها، نسيجا من الحوار المتماسك والواقع الذي يستهدف الوصول إلى أفضل الآراء لخدمة البلاد، ثم يأتي التنفيذ بعد المشاورات. حوار قاعدته برنامج حكومي واضح، من حيث المخططات والأولويات، وواضح في اختيار الكفاءات التي بمقدورها تنفيذه على أرض الواقع، وواضح من حيث هيكلة البنية الحكومية القادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين وانتظاراتهم، وتقديم الحلول والبدائل الصائبة.

هذه مهمة لا يبدو أنها ستكون سهلة على من يدعي ويقدم نفسه أنه يملك وحده الحقيقة، أو أنه يملكها كاملة، ويدعي أنه وحده المؤهل للتعبير عن مطامح شعب بأكمله. كما أن مهمة تكوين الأغلبية ستكون عسيرة على من يدعي تبني الديمقراطية والمطالبة بها، ولكنه على أرض الواقع يمارس خلاف ما يدعيه ويرفض أي انفتاح.

نفس المهمة ستكون صعبة على من لا يملك حدا أدنى من البرامج والرؤى لتجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تئن تحت وطأتها البلاد، على أساس سياسة تنموية وباتخاذ الإجراءات الضرورية للرفع من القدرة الشرائية والمستوى المعيشي للمواطنين، وتلبية الخدمات الأساسية في الشغل والتعليم والصحة والعدل وباقي المجالات. وقبل هذا وذاك، إعطاء معنى لوجود حكومة أصلا، التي، للتذكير، تعني مهمتها، تحديد أهداف الدولة بشكل قطعي: أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية، وتوجيه الدول بعد ذلك إلى تحقيق هذه الغايات.

إن هذا التمطيط في مدة تكوين الأغلبية هو استغلال فظٌّ للدستور الذي لم يحدد آجالا ولا سقفا زمنيا للمشاورات، كما أن هذه الجرجرة الزمنية، إن صح التعبير، سوف لن تتولد عنها إلا أخرى مماثلة في تدبير الشأن العام حتى وإن أطلَّت الحكومة “فعلامة الدار على باب الدار” كما يقول المغاربة.