مؤتمر مراكش لتنقية الأجواء

الأرض ليست مُسيَّسَة ولم تكن أجواؤها يوما كذلك، بل سكانها، لقد خلقت للعمارة المشتركة دون فساد أو ظلم، وكما أمرت كل الشرائع الدينية بذلك. وربما كان الإنسان القديم أكثر واقعية من شعوبها المعاصرة، وهو يتفاعل مع الطبيعة وظواهرها قدر إمكاناته، ويعيد لها وضعها السكوني دون تلويث ولا هدم.

العالم أو جله أصبح على وعي وإدراك بحجم الخطر البيئي وتدهور المناخ الذي يهدد الكوكب من فرط استخدام الطاقة والتدهور البيئي، الذي تُسبِّبه الأنشطة الاقتصادية الجشعة، وما ينتج عن ذلك من مشاكل انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون والانحباس الحراري والتصحر والعواصف والفيضانات وارتفاع منسوب البحار والمحيطات…

كما أصبح العالم أو جله أيضا على وعي بضرورة اللجوء ما أمكن إلى الطاقات النظيفة والبديلة وخفض مستويات انبعاثات الغازات الدفيئة.

لقد أمكن القول إن التوصل إلى اتفاق باريس خلال الـ”كوب21″ خطوة معقولة وبعيدة المدى في سبيل مواجهة التغير المناخي، وإقرار سياسات مناخية وبيئية تؤدي في النهاية إلى نظام طاقي منخفض الكاربون والابتعاد ما أمكن عن الطرق القذرة وغير الفعالة في استخدام الطاقة، وهي الطرق التي تعد أحد الأسباب الرئيسية في تدمير بنية المناخ.
استطاعت مراكش أن تجذب الانتباه الدولي إليها، وهي تحتضن الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية “كوب22″، لأن كل أنظار العالم موجهة إلى القرارات التي ستسفر عنها هذه الدورة، خصوصا في ما يتعلق بتنفيذ الالتزامات المالية المتعهد بها في باريس أثناء الـ”كوب21”.

كما تأتي هذه الدورة الثانية والعشرون في سياق متغيرات سياسية دولية لعل أبرزها انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد ثاني بلد بعد الصين يساهم في التلوث. وهنا بالضبط مجال واسع للنقاش تتداخل فيه مواقف الرجل من مشكل التغير المناخي، والتي لا تتطابق مع ما تم التوصل إليه في باريس بهذا الخصوص، وما قد يؤثر ذلك على مواقف دول أخرى، اعتبارا للدور المحوري للولايات المتحدة الأمريكية في تحديد السياسات المناخية وفي باقي السياسات، حتى وإن كانت أمريكا تستعد لأن تسدل عليها “ستارا حديديا” جديدا من أجل إعادة بناء اقتصادها، كما وعد الرئيس المنتخب خلال حملته الانتخابية، وحيث يتوقع أن تستولي نزعة الانعزالية والتقوقع على حساب اهتمامات العالم بما فيها مشكل التغيرات المناخية، وباقي المشاكل السياسية الأخرى.

وسيكون على دورة مراكش أن تبحث عن الصيغ الملائمة والمثلى لتنزيل التزامات الدول في دورة باريس، رغم أنها لم تتطرق إلى الإجراءات الإلزامية لتعهدات هذه الدول، خصوصا الغنية، والتزاماتها الإنسانية والأخلاقية قبل القانونية تجاه الدول النامية، التي يعيش أغلبها لسوء حظهم في المناطق الاستوائية أو بالقرب منها، ويعانون قبل غيرهم من التبعات السلبية لمشاكل تغير المناخ، وهم يشعرون بهذا الظلم الدولي والطبيعي. ولأن المواطن المتوسط من الدول النامية لا تتجاوز نسبة الانبعاثات التي يتسبب فيها عن 1% من مقدار نسبة الغازات الدفيئة التي يتسبب فيها، مثلا، نظيره الأمريكي، ولكن المرجح أن تعاني وگادوگو أو انجامينا أو باماكو أو داكا، من مشكل التغير المناخي أكثر مما قد تعانيه واشنطن أو موسكو أو بيكين من نفس السبب.

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ماسة إلى الأمم المتحدة عبر أجهزتها المختصة باعتبارها الجهة المشرفة والمؤهلة لتحقيق الضمانات القانونية أمام أي انسحاب أو تسويف من الدول الغنية. وتبدو الحاجة ماسة أكثر لتعاون وتضامن فعلي لدول الجنوب أمام تحديات الأوضاع الجديدة، وفي مقدمتها تحديات التنمية المستدامة. لأن هذا التضامن سيكون نابعا من صلب الشعور بالمصير المشترك، حتى وإن اختلفت التوجهات السياسية، وربما سيكون ردا صحيحا لتطلعات شعوب بلدانها، كما سيكون شرطا ضروريا لتوحيد المواقف بما يليق ويتناسب مع هذه التحديات.

فباسم هذا المصير المشترك، وباسم المسؤولية المشتركة، دعا جلالة الملك محمد السادس في خطابه إلى الجلسة الرسمية الرفيعة المستوى للـ”كوب22″ كافة الأطراف إلى العمل على ترجمة التشبث بقيم العدل والتضامن من خلال تمكين بلدان الجنوب، وخاصة الأقل نموا والدول الجزرية من دعم مالي وتقني عاجل يمكنها من التكيف مع المتغيرات المناخية، التي تزداد تفاقما، كما أن تكلفة الانتظارية، يقول جلالة الملك، والتقصير في مواجهة تغير المناخ وآثاره ستكون لها انعكاسات خطيرة تهدد الأمن والاستقرار وتزيد في اتساع بؤر التوتر.

العالم إذن، وهو يجتمع هنا في مراكش من أجل المناخ، وفي دورة تشكل منعطفا إنسانيا في تاريخ الوعي البشري بضرورة الحفاظ على البيئة والمناخ، يؤكد على الدور الريادي الذي تضطلع به بلادنا في الترافع باسم دول الجنوب بخصوص هذه القضية المصيرية، ويؤكد على وجاهة المبادرات الملكية السامية من أجل توحيد صوت إفريقيا وصفها، والرقي بالعنصر البشري، اعتبارا لكونه الطاقة الحقيقية التي لن ينضب معينها..